قطب الدين الراوندي
349
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في التناصف ، لا يجري لأحد إلا جرى عليه ، ولا يجري عليه إلا جرى له . ولو كان لأحد أن يجري له لا يجري عليه لكان ذلك خالصا للَّه سبحانه دون خلقه ، لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه ، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب ، تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله . ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها ، ويوجب بعضها بعضا ولا يستوجب بعضها إلا ببعض . وأعظم ما افترض اللَّه سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية ، وحق الرعية على الوالي ، فريضة فرضها اللَّه سبحانه لكل على كل ، فجعلها نظاما لا لفتهم ، وعزا لدينهم ، فليست تصلح الرعية [ إلا بصلاح الولاة ، وتصلح الولاة إلا باستقامة الرعية ] ( 1 ) فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على اذلالها السنن ، فصلح بذلك الزمان ، وطمع في بقاء الدولة ، ويئست مطامع الأعداء . وإذا غلبت الرعية واليها وأجحف الوالي برعيته ، اختلفت هناك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الأدغال في الدين ، وتركت محاج السنن ، فعمل بالهوى وعطلت الاحكام ، وكثرت علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فعل ، فهنا لك تذل الأبرار وتعز الأشرار وتعظم تبعات اللَّه عند العباد . فعليكم بالتناصح في ذلك ، وحسن التعاون عليه ، فليس أحد وان اشتد على رضى اللَّه حرصه وطال في العمل اجتهاده ، ببالغ حقيقة ما اللَّه أهله من الطاعة له ، ولكن من واجب حقوق اللَّه على العباد ( 2 ) النصيحة بمبلغ جهدهم ، والتعاون
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين ساقط من ب . وفي الف أيضا مع « فإذا أدت الرعية » . ( 2 ) في يد : عباده .