قطب الدين الراوندي
350
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
على إقامة الحق بينهم . وليس امرؤ وان عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته ، بفوق أن يعان على ما حمله اللَّه من حقه ، ولا امرؤ وان صغرته النفوس وأقحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه ( 1 ) . فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له ، فقال عليه السلام : ان من حق من عظم جلال اللَّه في نفسه وجل موضعه من قلبه ، أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه ، وان أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللَّه عليه ولطف احسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة اللَّه على أحد إلا ازداد حق اللَّه عليه عظما ، وان من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ، ويوضع أمرهم على الكبر ، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم إني أحب الاطراء واستماع الثناء ، ولست بحمد اللَّه كذلك ، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للَّه سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء . وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى اللَّه واليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لا بد من امضائها ، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطوني بالمصانعة ، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ، ولا التماس اعظام لنفسي ، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه . فلا تكفوا عن مقالة بحق أو [ عن ] ( 2 ) مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي
--> ( 1 ) جعل ابن أبي الحديد هذا الفصل أصلا مستقلا ، ويظهر من النسخ الموجودة عندنا أنها من الخطبة السابقة . ( 2 ) الزيادة من م .