قطب الدين الراوندي

294

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

النينان في البحار الغامرات ، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات . وأشهد أن محمدا نجيب اللَّه ، وسفير وحيه ، ورسول رحمته . أما بعد ، فإني أوصيكم بتقوى اللَّه الذي ابتدأ خلقكم ، واليه يكون معادكم ، وبه نجاح طلبتكم ، واليه منتهى رغبتكم ، ونحوه قصد سبيلكم ، واليه مرامي مفزعكم . فان تقوى اللَّه دواء داء ( 1 ) قلوبكم ، وبصر عمى أفئدتكم ، وشفاء مرض أجسادكم ، وصلاح فساد صدوركم ، وطهور دنس أنفسكم ، وجلاء غشاء أبصاركم ، وأمن فزع جأشكم ، وضياء سواد ظلمتكم . فاجعلوا طاعة اللَّه شعارا دون دثاركم ، ودخيلا دون شعاركم ، ولطيفا بين أضلاعكم ، وأميرا فوق أموركم ، ومنهلا لحين ورودكم ( 2 ) ، وشفيعا لدرك طلبتكم وجنة ليوم فزعكم ، ومصابيح لبطون قبوركم ، وسكنا لطول وحشتكم ، ونفسا لكرب مواطنكم . فان طاعة اللَّه حرز من متالف مكتنفه ، ومخاوف متوقعه ، وأوار نيران موقدة ، فمن أخذ بالتقوى غربت عنه الشدائد بعد دنوها ، واحلولت له الأمور بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، وأسهلت له الصعاب بعد انصبابها ، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ، وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها ، وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها ، ووبلت عليه البركة بعد ارذاذها . فاتقوا اللَّه الذي نفعكم بموعظته ، ووعظكم برسالته ، وامتن عليكم بنعمته فعبدوا أنفسكم لعبادته ، وأخرجوا إليه من حق طاعته . ثم إن هذا الاسلام دين اللَّه الذي اصطفاه لنفسه ، واصطنعه على عينه ، واصفاه خيرة خلقه ، وأقام دعائمه على محبته ، أذل الأديان بعزه ، ووضع الملل

--> ( 1 ) ليس « داء » في ب . ( 2 ) في الف ، ب ، نا : وردكم .