قطب الدين الراوندي

273

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وتطلعت نفوسهم إليها شوقا وظنوا انها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا ان زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم واكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللَّه في فكاك رقابهم . وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم ، لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون . إذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري وربى أعلم مني بنفسي ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة ( 1 ) أحدهم إنك ترى له قوة في دين ، وحزما في لين ، وايمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجملا في فاقة ، وصبرا في شدة ، وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى ، وتحرجا عن طمع . يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ، يمسي وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر ، يبيت حذرا ويصبح فرحا ، حذرا لما حذر من الغفلة ، وفرحا بما ( 2 ) أصاب من الفضل والرحمة . ان استصعب عليه نفسه فبما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب ، قرة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل . تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ، منزورا

--> ( 1 ) في ب : فمن علامات . ( 2 ) في ب : لما أصاب .