قطب الدين الراوندي
272
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وصلى على النبي عليه السلام ثم قال : أما بعد ، فان اللَّه سبحانه خلق الخلق حيث ( 1 ) خلقهم غنيا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ( 2 ) ، لأنه سبحانه لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه . فقسم [ اللَّه ] ( 3 ) بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدنيا مواضعهم ( 4 ) ، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع غضوا أبصارهم عما حرم اللَّه عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء ، ولولا الأجل الذي كتب اللَّه لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم ( 5 ) خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ، أرادتهم الدنيا ولم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون أقدامهم تالين ( 6 ) لاجزاء القرآن يرتلونها ( 7 ) ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا
--> ( 1 ) في نا ، الف ، ب ، يد : حين . ( 2 ) في ب : « لمعصيتهم » . وفي الف : بمعصيتهم . ( 3 ) الزيادة من م . ( 4 ) في ب : مراضعهم . ( 5 ) في الف ، ب ، نا : وحاجتهم . ( 6 ) في م وبعض النسخ : تالون . ( 7 ) في م ، ب ، نا : يرتلونه .