قطب الدين الراوندي

239

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وقيل في معنى الآية أقوال : أحدها - ان الاغواء الأول والثاني بمعنى الاضلال ، أي كما أضللتني لأضلنهم . وهذا لا يجوز ، لان اللَّه لا يضل أحدا عن الدين ، إلا أن يحمل على أن إبليس كان معتقدا للجبر . وثانيها - أن الاغواء الأول والثاني بمعنى التخييب ، أي بما خيبتني من رحمتك لاخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك . وثالثها - أن معناه بما أطلقتني عن طريق جنتك لأضلنهم بالدعاء إلى معصيتك . ورابعها - بما كلفتني السجود لآدم الذي غويت عنده ، فسمى ذلك غواية كما قال « فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ » ( 1 ) لما ازدادوا غيرها . والباء في « قالَ فَبِما » قال أبو عبيدة : أن معناها القسم ، وقال غيره : هي بمعنى السبب ، أي يكون غاويا لأزينن كما يقال : بطاعته ليدخلن الجنة وبمعصيته ليدخلن النار . ومفعول التزبين محذوف ، وتقديره لأزينن الباطل لهم ، أي لأولاد آدم حتى يقعوا فيه . وانما قال ذلك قذفا بغيب بعيد ورجما بظن غير مصيب ، ونصبهما على الحال أو على أنه كليهما مفعول له . وروي « بظن مصيب » من قوله تعالى « ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ( 2 ) . والقذف : الرمي . والغيب : الشيء الغائب ، وهو من قوله تعالى « ويَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » ( 3 ) أي كان كفار قريش يقولون في رسول اللَّه « ص » شاعر

--> ( 1 ) سورة التوبة : 125 . ( 2 ) سورة سبأ : 20 . ( 3 ) سورة سبأ : 53 .