قطب الدين الراوندي

216

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فتركهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر ، أذل الأمم دارا وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها . فالأحوال مضطربة ، وإلا يدي مختلفة ، والكثرة متفرقة ، في بلاء أزل ، واطباق جهل ، من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة . فانظروا إلى مواقع نعم اللَّه سبحانه عليهم حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملته طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ( 1 ) ، والتفت الملة بهم في عوائد بركنها ، فأصبحوا في نعيمها غرقين ، وفي خضرة عيشها فكهين ( 2 ) . قد تربعت الأمور بهم في ظل سلطان قاهر ، وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب ، وتعطفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت ، فهم حكام على العالمين ، وملوك في أطراف الأرضين ، يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ، ويمضون الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم . لا تغمز لهم قناة ، ولا تقرع لهم صفاة . ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة ، وثلمتم حصن اللَّه المضروب عليكم بأحكام الجاهلية ، وان اللَّه سبحانه قد امتن على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلها ، ويأوون إلى كنفها ، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ، لأنها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر . واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، وبعد الموالاة أحزابا ، ما تتعلقون من الاسلام إلا باسمه ، ولا تعرفون من الايمان إلا رسمه . تقولون : النار ولا العار كأنكم تريدون أن تكفئوا الاسلام على وجهه ، انتهاكا لحريمه ونقضا لميثاقه الذي وضعه اللَّه لكم حرما في أرضه وأمنا بين خلقه ، وإنكم لجأتم إلى غيره ،

--> ( 1 ) في الف وهامش م : نعمتها . ( 2 ) في يد : فاكهين .