قطب الدين الراوندي
215
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، وجرعوهم [ جرع ] ( 1 ) المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ولا سبيلا إلى دفاع . حتى إذا رأى اللَّه جد الصبر منهم على الأذى في محبته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم العز مكان الذل ، وإلا من مكان الخوف . فصاروا ملوكا حكاما وأئمة أعلاما و [ قد ] ( 2 ) بلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الإملاء مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واجدة . ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين . وانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، وتشتت الألفة ، واختلفت الكلمة والاقئدة ، وتشعبوا مختلفين ، وتفرقوا متحاربين ( 3 ) . قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين منكم . واعتبروا ( 4 ) بحال ولد إسماعيل وبنى إسحاق وبنى إسرائيل عليهم السّلام ، فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال . تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ، ليالي كانت إلا كاسرة والقياصرة أربابا لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق ، وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ، ومهاب ( 5 ) الريح ، ونكد المعاش ،
--> ( 1 ) الزيادة من م . ( 2 ) الزيادة من يد . ( 3 ) في الف وهامش نا : متحازبين . ( 4 ) في نا ، يد : فاعتبروا . ( 5 ) في الف ، يد ، نا : « مهافي » - بدل - « مهاب » .