قطب الدين الراوندي

213

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولكن اللَّه سبحانه يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبدهم بألوان ( 1 ) المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، اخراجا للتكبر من قلوبهم ، وإسكانا للتذلل في نفوسهم ، وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، وأسبابا ذللا لعفوه ( 2 ) . فاللَّه اللَّه في عاجل البغي ، وآجل وخامة الظلم ، وسوء عاقبة الكبر ، فإنها مصيدة إبليس العظمى ، ومكيدته الكبرى ، التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة ، فما تكدى أبدا ولا تشوى أحدا ، لا عالما لعلمه ، ولا مقلا في طمره . وعن ذلك ما حرس اللَّه عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات ، تسكينا لأطرافهم ، وتخشيعا لأبصارهم ، وتذليلا لنفوسهم ، وتخفيضا ( 3 ) لقلوبهم ، وإذهابا للخيلاء عنهم ، لما في ذلك من تعفير ( 4 ) عتائق الوجوه بالتراب تواضعا ، والتصاق ( 5 ) كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا ، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا ، معما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض ، وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر . أنظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر ، وقدع طوالع الكبر ، ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصب لشيء من الأشياء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجة تليط بعقول السفهاء ، غيركم فإنكم تتعصبون لأمر ما يعرف له سبب ولا علة . أما إبليس فتعصب على آدم عليه السلام لأصله وطعن عليه في خلقته فقال : أنا ناري وأنت طيني . وأما الأغنياء من مترفة الأمم

--> ( 1 ) في يد : بأنواع . ( 2 ) في الف : في عفوه . ( 3 ) في الف : تخفيفا . ( 4 ) في الف : من تقصير . ( 5 ) في الف وهامش نا : الصاق .