قطب الدين الراوندي
212
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الاتباع لرسله ، والتصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لأمره ، والاستسلام لطاعته أمورا له خاصة ، لا يشوبها من غيرها شائبة . وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل . ألا ترون أن اللَّه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم عليه السلام إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ، ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقل نتايق الدنيا مدرا ، وأضيق بطون الأودية قطرا ، بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خف ولا حافر ولا ظلف . ثم أمر سبحانه آدم عليه السلام وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوي فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتى يهزوا مناكبهم ذللا ، يهلون للَّه حوله ، ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له ، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ، وشوهوا باعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما وامتحانا شديدا واختبارا مبينا وتمحيصا بليغا ، جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنته . ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وأنهار ، وسهل وقرار جم الأشجار داني الثمار ، ملتف البنى متصل القرى ، بين برة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، وزروع ناضرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ولو كانت الأساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء ، لخفف ذلك مضارعة الشك في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الريب من الناس .