قطب الدين الراوندي

207

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب « إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ » ( 1 ) . اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصب عليه لأصله ، فعدو اللَّه إمام المتعصبين ، وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبية ، ونازع اللَّه رداء الجبرية ، وادرع لباس التعزز ، وخلع قناع التذلل . ألا ترون كيف صغره اللَّه بتكبره ، ووضعه بترفعه ، فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعد له في الآخرة سعيرا . ولو أراد اللَّه سبحانه أن يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه ، ويبهر العقول رواؤه ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل ، ولو فعل لظلت له الأعناق خاضعة ، ولخفت البلوى فيه على الملائكة . ولكن اللَّه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وأبعادا للخيلاء منهم . فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطويل ، وجهده الجهيد ، وكان قد عبد اللَّه ستة آلاف سنة ، لا يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة ، عن كبر ( 2 ) ساعة واحدة ، فمن [ ذا ] ( 3 ) بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته . كلا ، ما كان اللَّه سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، ان حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد ، وما بين اللَّه وبين أحد من خلقه هوادة

--> ( 1 ) سورة ص : 71 - 74 . ( 2 ) في الف : على كبر . ( 3 ) ليس « ذا » في نا الف .