قطب الدين الراوندي
198
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » ( 1 ) . أي صفة الحياة الدنيا ، أو شبه الحياة الدنيا في سرعة فنائها وزوالها « كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ » وهو المطر « فَاخْتَلَطَ بِهِ » أي بذلك المطر « إِنَّما مَثَلُ » لان المطر يدخل في خلل النبات فيختلط به ، وقيل : فاختلط بسببه بعض النبات بالبعض « مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ » كالحبوب والانعام كالحشيش والتبن . شبه الحياة الدنيا بالنبات على ما وصفه من الاغترار به ، ثم المصير إلى الزوال . وقيل : شبهها بالماء فيما يكون به من الانتفاع ثم الانقطاع . وقيل : شبهها بالماء فيما يكون به من الحياة مقدرة على هذه الصفات . « إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ » أي حسنها بأجناس النبات وغيرها ، وتزينت في عين رائيها ، وظن مالكها أنه يقدر على الانتفاع بها ، أي بلغت المبلغ الذي ظن أهلها أنهم يحصدونها ويقدرون على غلتها ، أتاها عذابنا من برد أو برد وأتاها قضاؤنا باهلاكها ، فجعلناها محصودة مقطوعة يابسة كأن لم يلبث زرعها . لابد من حذف مضاف مثل ذلك تميزت الآيات لمن يتأمل فيها فيعتبر بها . وليهجموا عليهم بمعتبر : أي ليدخلوا على أممهم بشئ يعتبرون به ، قال تعالى « فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ » ( 2 ) أي استدلوا بما شاهدتم لما غاب عنكم . وهجمت على الشيء بغتة أهجم هجوما ، وهجمت غيري يتعدى ولا يتعدى ، فجعل الغرض في بعث الأنبياء خمسة أشياء ، وأجملها وفصل الأخير الذي هو الاعتبار ، وجعله على أنواع من الصحة والسقم اللذين يصيبان أهل الدنيا ، والحلال والحرام اللذين هم مبتلون بهما ، والكرامة والهوان اللذين للاستحقاق في الآخرة وفي الدنيا للتكليف والابتلاء ، والجنة والنار اللتين هما دار الثواب والعقاب . ثم ذكر إني أحمد اللَّه متقربا إليه مثل ما طلب الحمد محسنا إليهم ، يعنى ما يوافق أمره تعالى وليس على شهوة مني أو ببدعة ابتدعها .
--> ( 1 ) سورة يونس : 24 . ( 2 ) سورة الحشر : 2 .