قطب الدين الراوندي

187

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

و « كانت السماء دخانا » أي بخار الأرض ، فأتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم وأتت الأرض بما فيها من الأنهار والأشجار والثمار . وليس هناك أمر بالقول على الحقيقة ولا جواب لذلك القول ، بل أخبره اللَّه تعالى عن اختراعه السماوات والأرض وانشائه لهما من غير تعذر ولا كلفة ولا مشقة ، بمنزلة ما يقال للمأمور افعل فيفعل من غير تلبث ولا توقف ، فعبر عن ذلك بالأمر والطاعة والدعاء والإجابة ، وهو قوله تعالى « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ( 1 ) . وانما قال « أَتَيْنا طائِعِينَ » لان المعنى أتينا بمن فينا ( 2 ) من العقلاء فغلب حكمهم . فان قيل : هب ان القول في الدعاء هاهنا والإجابة ما قلتم ، فما تقولون في قوله « ولولا إقرارهن بالربوبية » إلى قوله « لما جعلهن مسكنا لملائكته » . قلنا : المجاز هاهنا بحاله والاستعارة على ما تقدم ، وذلك لان من تفكر في السماء التي هي قائمة بلا عمد ولا علاقة مع عظمها كان الاقرار بوبوبية صانعها وحافظها أقرب ممن ينظر في الأرض ، فلما كانت السماوات أعظم في باب الدلالة وفي كونها آية على اثبات الصانع الحكيم من الأرض وجعل السماوات مساكن الملائكة الكرام الذين « لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » ( 3 ) . وجعلها أيضا موضع العرش ، أي خلق العرش فوق سبع سماوات أيضا . وأمر اللَّه الكرام الكاتبين باصعاد الاعمال الصالحات من بني آدم إلى السماوات أيضا ، لان المواضع العالية الرفيعة تليق بالأمور العلية الشريفة ، فراقت الازدواج لفظا ومعنى .

--> ( 1 ) سورة يس : 82 . ( 2 ) كذا في الأصل ولعله : « فيها » . ( 3 ) سورة التحريم : 6 .