قطب الدين الراوندي
112
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ولقد كان في رسول اللَّه عليه السلام ما يدلك على مساوىء الدنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته ، فلينظر ناظر بعقله ، أكرم اللَّه محمدا بذلك أم أهانه ، فان قال أهانه فقد كذب والعظيم [ وأتى بالإفك العظيم ] ( 1 ) ، وان قال أكرمه فليعلم أن اللَّه قد أهان غيره ، حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه ، فليتأس متأس بنبيه عليه السلام واقتص أثره وولج مولجه ، وإلا فلا يأمن الهلكة . فان اللَّه تعالى جعل محمدا صلى اللَّه عليه وآله ، علما للساعة ، ومبشرا بالجنة ، ومنذرا بالعقوبة ، خرج من الدنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضح حجرا على حجر حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه . فما أعظم منة اللَّه علينا حين أنعم به علينا سلفا نتبعه وقائدا نطأ عقبه . واللَّه لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها ( 2 ) فقلت : أعزب عني « فعند الصباح يحمد القوم السرى » . ( بيانه ) القضاء : الحكم ، وأصل قضاي لأنه من قضيت ألا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت ، والجمع أقضية . يقول : أمر اللَّه حكم وحكمة ، أي جميع ما يأمر اللَّه به شرعا فهو على اطلاقه يكون ايجابا والزاما ، وذلك الايجاب مصلحة للمأمورين يدعو اللَّه إليه داعي الحكمة .
--> ( 1 ) ليست هذه في الف ، وفي نا علم بعلامة الزيادة . وفي يد : « فقد كذب واللَّه العظيم بالإفك العظيم » . ( 2 ) في نا ، يد : ألا تنبذها عنك .