قطب الدين الراوندي

111

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ويبلس الخشن ، وكان أدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وصلاؤه ( 1 ) في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم . ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذله . دابته رجلاه وخادمه يداه . فتأس بنبيك الأطهر الأطيب عليه السلام ، فان فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى . وأحب العباد إلى اللَّه المتأسي بنبيه والمقتص لأثره . قضم الدنيا قضما ، ولم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدنيا كشحا ، وأخمصهم من الدنيا بطنا . عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها ، وعلم أن اللَّه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره ، وصغر شيئا فصغره . ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض اللَّه [ وتعظيمنا ما صغر اللَّه ] ( 2 ) ورسوله لكفى به شقاقا للَّه ومحادة عن أمر اللَّه . ولقد كان عليه السلام يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ، ويردف خلفه ، ويكون الستر على باب بيته فيه التصاوير فيقول : يا فلانة [ لإحدى أزواجه ] ( 3 ) غيبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها . فأعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه ، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتخذ منها رياشا ، ولا يعتقدها قرارا ، ولا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها من النفس ، وأشخصها عن القلب ، وغيبها عن البصر . وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده .

--> ( 1 ) في نا ، يد ، الف ، ب : وظلاله . ( 2 ) الزيادة من نا ، الف ، يد ، ب . وليس « ورسوله » في هذه النسخ . ( 3 ) الزيادة ليست في م .