قطب الدين الراوندي

110

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( منها ) : يدعي بزعمه أنه يرجو اللَّه ، كذب والعظيم ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله ، وكل من رجا عرف رجاؤه في عمله ، إلا رجاء اللَّه تعالى فإنه مدخول ، وكل خوف محقق إلا خوف اللَّه تعالى فإنه معلول . يرجو اللَّه في الكبير ويرجو العباد في الصغير ، فيعطى العبد ما لا يعطي الرب ، فما بال اللَّه جل ثناؤه يقصر به عما يصنع بعباده . أتخاف أن تكون في رجائك له كاذبا ، أو تكون لا تراه للرجاء موضعا ، وكذلك ان هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه ، فجعل خوفه من العباد نقدا ، وخوفه من خالقهم ضمارا ووعدا . وكذلك من عظمت في عينه ، وكبر موقعها من قلبه ، وآثرها على اللَّه فانقطع إليها ، وصار عبدا لها . ولقد كان في رسول اللَّه كاف لك في الأسوة ، ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عند أطرافها ، ووطئت لغيره أكنافها ، وفطم عن رضاعها ، وزوي عن زخارفها . وان شئت ثنيت بموسى كليم اللَّه عليه السلام ، إذ يقول « رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ » ( 2 ) . واللَّه ما سأله إلا خزا يأكله ، لأنه كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه . وان شئت ثلثت بداود عليه السلام صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة ، فلقد كان يعمل سفايف الخوص بيده ويقول لجلسائه : أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها . وان شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر

--> ( 2 ) سورة القصص : 24 .