قطب الدين الراوندي
471
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأسبابها زمام ، حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم . ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب ، وجارها محروب . ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ، وأعد عديدا ، وأكثف جنودا . تعبدوا للدنيا أي تبعد ، وآثروها أي ايثار . ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ، ولا ظهر قاطع . فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة ، بل أرهقتهم بالفوادح ، وأوهنتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعفرتهم للمناخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون . فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها ، وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد . وهل زودتهم إلا السغب ، أو أحلتهم إلا الضنك ، أو نورت لهم إلا الظلمة ، أو أعقبتهم إلا الندامة . أفهذه تؤثرون ، أم إليها تطمئنون ، أم عليها تحرصون . فبئست الدار لمن لم يتهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها . فاعلموا ( 1 ) - وأنتم تعلمون - بأنكم تاركوها وظاعنون عنها ، واتعظوا فيها بالذين قالوا « مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً » ( 2 ) ، حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا [ الأجداث ] ( 3 ) فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الصفيح أجنان ، ومن التراب أكفان ، ومن الرفات جيران . فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة . ان جيدوا لم يفرحوا ، وان قحطوا لم يقنطوا ، جميع وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعاد ، متدانون لا يتزاورون ، وقريبون لا يتقاربون . حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ولا
--> ( 1 ) في بعض النسخ : فاعلموا . ( 2 ) سورة فصلت : 15 . ( 3 ) ليس في ب ، الف . وفي نا ، م : الاجنان - بدل الأجداث .