قطب الدين الراوندي

470

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عليه أعظم ، والحسرة له ألزم ، عند اللَّه ألوم . ( ومن خطبة له عليه السلام ) أما بعد ، فإني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة ، حفت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال ، وتزينت بالغرور . لا تدوم جدتها ، ولا تؤمن فجعتها . غرارة ضرارة ، حائلة زائلة ، نافدة بائدة ، أكالة غوالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال سبحانه « كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا » ( 1 ) . لم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ، ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء . وحرى إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة ، وان جانب منها اعذوذب واحلولى أمر منها جانب فأوبى . لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف . غرارة غرور ما فيها فانية ، فان [ ما فيها و ] ( 2 ) من عليها ، لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى . من أقل منها استكثر مما يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه وزال عما قليل عنه . كم من واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة قد صرعته ، وذي أبهة قد جعلته حقيرا ، وذي نخوة قد ردته ذليلا . سلطانها دول ، وعشيها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ،

--> ( 1 ) سورة الكهف : 45 . ( 2 ) الزيادة من ص .