قطب الدين الراوندي

376

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضىء بنور هدايته ، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ، ولا في سنة النبي صلى اللَّه عليه وآله وأئمة الهدى أثره ، فكل علمه إلى اللَّه سبحانه ، فان ذلك منتهى حق اللَّه عليك . واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا . فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين . هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرأ من خطرات ( 1 ) الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ، ردعها وهى تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته . الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه ، من خالق معبود كان قبله وارانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، فظرت ( 2 ) البدائع التي أحدثها آثار صنعته واعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه ، وان كان خلقا صامتا ، فحجته بالتدبير

--> ( 1 ) في م ، نا : من خطر الوساوس . وفي ب : من خطرات الوسواس . ( 2 ) في م ، ب ، الف : وظهرت .