قطب الدين الراوندي
360
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعد القرى ليومه النازل به ، فقرب على نفسه البعيد وهون الشديد . نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلا وسلك سبيلا جددا . قد خلع سرابيل الشهوات ، وتخلى ( 1 ) عن الهموم إلا هما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى . قد أبصر طريقه وسلك سبيله ، وعرف مناره وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها . فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس قد نصب نفسه للَّه سبحانه في أرفع الأمور من اصدار كل وارد عليه ، وتصيير كل فرع إلى أصله . مصباح ظلمات ، كشاف عشوات ، مفتاح مبهمات ، دفاع معضلات ، دليل فلوات . يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم ، قد أخلص للَّه فاستخلصه ، فهو من معادن منه وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه . يصف الحق ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلا أمها ، ولا مظنة إلا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وأمامه ، يحل حيث حل ثقله وينزل حيث كان منزله . وآخر قد تسمى عالما وليس به ، فاقتبس جهائل من جهال وأضاليل من ضلال ، ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف الحق على أهوائه . يؤمن الناس من العظائم ، ويهون كبير الجرائم . يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع ، ويقول اعتزل البدع وبينها اضطجع .
--> ( 1 ) في م : من الهموم .