قطب الدين الراوندي
267
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ومن زعم أن هذا التركيب غير مستقيم بل ينبغي أن تكون الرواية فيه « فلا قلب من لم يره ينكره ولا عين من أثبته يبصره » ( 1 ) فقد غفل عن المعنى الذي ذكرناه . وقوله « فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه » ( 2 ) أي لا علوه أبعده عن
--> ( 1 ) قال ابن ميثم في الشرح 2 - 127 في شرح هذه الخطبة الشريفة ما هذا نصه : كونه تعالى بطن خفيات الأمور ويفهم منه معنيان : أحدهما : كونه داخلا في جملة الأمور الخفية ، ولما كان بواطن الأمور الخفية أخفى من ظواهرها كان المفهوم من كونها بطنها أخفى منها عند العقول . الثاني : أن يكون المعنى أنه نفذ علمه في بواطن خفيات الأمور . أما المعنى الأول فبرهانه أنك علمت أن الادراك اما حسي أو عقلي ، ولما كان الباري تعالى مقدسا عن الجسمية منزها عن الوضع والجهة استحال أن يدركه شيء من الحواس الظاهرة والباطنة ، ولما كانت ذاته بريئة عن أنحاء التركيب استحال أن يكون للعقل اطلاع عليها بالكنه ، فخفاؤه أذن على جميع الادراكات ظاهر ، وكونه أخفى الأمور الخفية واضح . وأما الثاني فقد سبق منا بيان أنه عالم الخفيات والسرائر . إلخ . ( 2 ) وقال أيضا ابن ميثم في الشرح 2 - 131 في شرح هذه الجملة الشريفة ما هذا لفظه : تأكيد لرد الاحكام الوهمية بالأحكام العقلية ، فان الوهم يحكم بأن ما استعلى على الأشياء كان بعده عنها بقدر علوه عليها وما قرب منها فقد ساواها في أمكنتها ، وذلك لكونه مقصور الحكم على المحسوسات ، ونحن لما بينا أن علوه على خلقه وقربه منهم ليس علوا وقربا مكانيين بل بمعان أخرى لا جرم لم يكن استعلاؤه بذلك المعنى على مخلوقاته مباعدا له عن شيء منها ، ولم يكن منافيا لقربه بالمعنى الذي ذكرناه ، بل كان الاستعلاء والقرب مجتمعين له ، ولم يكن قربه منها أيضا موجبا لمساواته لها في المكان عنادا للوهم وردا لأحكامه الفاسدة في صفات الجلال ونعوت الكمال .