قطب الدين الراوندي
160
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وغض بصرك : أي انظر إليهم ولكن لا تعبأ بهم ، يأمره بنظر من يستقلهم لا نظر من يستكثرهم . ويمكن أن يقال : « البصر » هاهنا هو حاسة الرؤية كما يفعله النظارة ، وفي الكلمة الأولى « البصر » بمعنى العلم والتبصر والتأمل . ومعنى القرينتين : أي لا تكثر النظر إلى جمعهم لئلا يستعظموا في عينك ، ولكن تأمل جميعهم فكن عارف أحوالهم كلهم من أولهم إلى آخرهم . فلا تناقض بين قوله « ارم ببصرك أقصى القوم » وقوله « غض بصرك » ، لأنه يقال : رميت ببصري أمرا عظيما وان لم يكن ثم نظر . واعلم أنك إذا احتملت الأذى في جنب اللَّه فهو تعالى ينزل النصرة . والكلام الآخر واضح إلا لفظا ، وهو « سيرعف بهم الزمان » أي سيأتي بهم ، ويقال رعف الشيء يرعف : أي سبق وتقدم ( 1 ) . وأما كلامه في ذم أهل البصرة ، فلا اشكال في معناه ويقع في ألفاظه ما يحتاج إلى تفسير . قال عليه السلام : كنتم أتباع البهيمة لان الراكبة كانت في الهودج مستورة . ثم قال : رغا وعقر ، وانما ذكر الضمير لان مراده بالبهيمة حملها ، وقيل هي المرادة باللفظة . والرغا : صوت البعير . وعقره : قطع ساقه . والشقاق : الخلاف والعداوة . والماء الزعاق : الملح ، وهذا لا يكون عيبا
--> ( 1 ) قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 - 247 : يرعف بهم الزمان : يوجدهم ويخرجهم كما يرعف الانسان بالدم الذي يخرجه من أنفه ، قال الشاعر : وما رعف الزمان بمثل عمرو * ولا تلد النساء له ضريبا وقال ابن ميثم في الشرح 1 - 288 : وإنما نسب وجودهم إلى الزمان لأنه من الأسباب المعدة لقوابل وجودهم .