قطب الدين الراوندي
27
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
لا تحصروها ولا تطيقوا عدها . فقوله « ولا يحصي نعماءه العادون » أي لا يطيق عد نعمائه العادون ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، فأكد بهذه الجملة القرينة الأولى . والمعنى : ان مدائح اللَّه لا تشرف على ذكرها الأنبياء والمرسلون ، لان نعماءه أكثر من أن تعدها الملائكة المقربون والكرام الكاتبون . وأما قوله « ولا يؤدي حقه المجتهدون » فالتأدية ايصال الشيء إلى الغير بأداة والحق : ما يكون أخذه حقيقا . والمجتهد من يحتمل المشقة في فعل أو ترك ، أي ان حقوقه على العباد عظيمة لا يمكن المجتهدين في التحرز من المعصية القيام بقضاء حق من تلك الحقوق على الوجه الذي يجب . وانما ذكر حقه مفردا وله تعالى حقوق كثيرة ، اما لان الحق مصدر يقع على القليل والكثير ، أو لان حقا من حقوقه لا يمكن العباد أن يؤدوه . فلينظر البلغاء في هذه الكلمات الثلاث تتضمن فوائد جمة ، ذكر أنه لا يستحق العبادة غيره تعالى وجعله محمودا وممدوحا منعما عاجلا وآجلا ، وان له حقوقا واجبة على الخلائق ، ثم حقق هذا الاثبات الذي هو للَّه تعالى بالنفي من جهة عباده بأنه لا يمكنهم تأدية حقوقه ولا احصاء نعمائه ولا ذكر مدائحه ولا بلوغ محامده وان بالغوا في ذلك واجتهدوا فيه . وبالغ في تعظيم مدحه بتقديم ذكره تعالى مع كونه في موضع المفعول وأخر الفاعل ، كقوله « وَمِنَ النَّاسِ والدَّوَابِّ و » ( 1 ) ، وراعى الفواصل بحروف [ متشاكلة في المقاطع توجب افهام المعنى لم يتكلف السجع ، وزاد معنى ] ( 2 ) القرينة الأولى بتقرير البيان مع تلاوة الحروف وتكرير المعنى واظهار
--> ( 1 ) سورة فاطر : 28 . ( 2 ) ما بين المعقوفتين ليس في ص .