قطب الدين الراوندي

26

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وحكمة ( 1 ) . فاقتبس كلامه هاهنا من كلام اللَّه ، ففصل مجمله وقيد مطلقه وجمع مفرده . وفى ايراد لفظ النعمة مفردا في كلام اللَّه وعلى لفظ الجمع في كلام أمير المؤمنين عليه السلام سر عجيب ، وهو أن اللَّه دل عباده على الآية العظام ( 2 ) ، بأن قال نعمة واحدة منها لا يمكنكم عد وجوه كونها هذا حقيقته ، وإلا فالشيء الواحد لا يمكن عده . وقيل المراد بها الجنس ، وانما ذكر علي عليه السلام نعماءه ونعمه على الجمع في الروايتين اشعارا أن أصول نعمه لا تحصى لكثرتها فكيف تعد وجوه فروع نعمائه . وكذلك لطيفة عجيبة في ايراد كلامه على لفظ الخبر وفي كون كلام اللَّه على لفظ الشرط ، لأنه تعالى يقول لعباده : ان أردتم أن تعدوا نعم اللَّه لا تقدروا على حصرها لان تفاصيلها لا يعلمها إلا اللَّه ، وأخبر على أنه أنعم النظر ، فعلم أن أحدا لا يمكنه حصر نعمه غيره تعالى . ولو قال « ولا تعد نعمه الحاسبون » لم يحصل المبالغة التي أرادها عليه السلام بعبارته ، لان الحساب اشتقاقه من الحسبان الذي هو الظن ، والعدد من العد وهو الماء الذي لا تنقطع كماء العين . والاحصاء الإطاقة ، يقال أحصيته أي طقته ، قال تعالى « عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ » ( 3 ) وقال « وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ و » ( 4 ) أي

--> ( 1 ) في حديث طويل أخرجه في البحار 70 - 20 عن أمالي الصدوق 2 - 105 ، 106 . ( 2 ) كذا في ص ، د . ( 3 ) سورة المزمل : 20 « عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ » . ( 4 ) سورة إبراهيم : 34 ، سورة النحل : 18 .