حسن بن زين الدين العاملي
21
منتقى الجمان
منه ، إذا لا يكفي الواحد في تزكية الشاهد ، كما مر التنبيه عليه . وما أوضح دلالة هذا التخصيص على ما أشرنا إليه في الجواب عن الوجه الأول ، من أن النظر في أصل الحكم بقبول الواحد في تزكية الراوي إنما هو إلى القياس ممن يعمل به ، ويشهد لذلك أيضا أن مصنفي كتب الأصول المعروفة لم يذكروا غير الوجه الأول من الحجة في استدلالهم لهذا الحكم ، وضميمة الوجهين الآخرين من استخراج بعض المعاصرين . والجواب عن الثالث ( 1 ) أن اعتبار العلم هو مقتضى دليل الاشتراط ، ودعوى أغلبية التعذر فيه وفيما يقوم مقامه لا وجه لها ، وربما وجهت بالنسبة إلى موضع الحاجة من هذا البحث ، وهو عدالة الماضين من رواة الحديث ، بأن الطريق إلى ذلك منحصر في النقل ، والقدر الذي يفيد العلم منه عزيز الوجود بعيد الحصول ، وشهادة الشاهدين موقوفة في الأظهر على العلم بالموافقة في الأمور التي تتحقق بها العدالة وتثبت ، وما إلى ذلك من سبيل ، فإن آراء المؤلفين لكتب الرجال الموجودة الآن سوى العلامة في هذا الباب غير معروفة ، وليس بشئ ، فإن تحصيل العلم بعدالة كثير من الماضين وبرأي جماعة من المزكين أمر ممكن بغير شك من جهة القرائن الحالية والمقالية إلا أنها خفية المواقع ، متفرقة المواضع ، فلا يهتدي إلى جهاتها ، ولا يقتدر جمع أشتاتها إلا من عظم في طلب الإصابة جهده وكثر في تصفح الآثار كده ، ولم يخرج عن حكم الإخلاص في تلك الأحوال قصده . وأما ما ذكره جماعة من أن العدالة من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلا الله ، وما هذا شأنه لا يتصور فيه إناطة التكليف بالعلم ، فكلام شعري ناش عن قصور المعرفة بحقيقة العدالة ، أو مبني على خلاف ضعيف في بعض قيودها ، وليس هذا موضع تحقيق المسألة ، قد ذكرناه مستوفى غير موضع من كلامنا فليرجع إليه من أراد الوقوف عليه .
--> ( 1 ) أي تعذر العلم بالعدالة في الغالب .