حسن بن زين الدين العاملي

14

منتقى الجمان

وما استشهد به والدي - رحمه الله - في [ هذا ] المقام من الخلاصة وغيرها لا يصلح شاهدا ، فإن الغرض منه بيان حال الطرق إلى الجماعة المذكورين لا عنهم ، وإن وقعت العبارة فيه بكلمة ( عن ) في الأغلب وذلك واضح لمن نظر . ثم إن إطلاق الصحة على تلك الطرق المعينة استعارة لحظت فيها علاقة المشابهة بينها وبين طرق الأخبار الصحيحة في كون رجالها كلها ثقات ، والقرينة فيه واضحة بخلاف قولهم : صحيح فلان ، وصحيحته مع كون الطريق ضعيفا ، فإن إطلاق الصحة فيه واقع على مجموع السند المفروض ضعفه ، وذلك تعمية وتلبيس من غير ضرورة . وقوله : ( إنهم يقولون كثيرا : روى ابن أبي عمير في الصحيح ) وهم ، إنما يقال : روى الشيخ أو غيره في الصحيح عن ابن أبي عمير مثلا ، وبين الصورتين فرق ظاهر ، فإن إطلاق الصحة على طريق الشيخ إلى ابن أبي عمير نظير إطلاقها في الخلاصة على الطريق إلى الجماعة المجهولين وقد وقعت وصفا لذلك القدر المعين من السند ، وأما بالصورة التي ذكرها فالصحة وقعت فيها وصفا لمجموع الطريق مع اشتماله على موجب الضعف ، ولو وجد مثله في كلام بعض أوساط المتأخرين ، فلا شك أنه واقع عن قصور معرفة بحقيقة هذا الاستعمال . وما ذكره أخيرا من نقلهم الإجماع على تصحيح ما يصح عن أبان بن عثمان مع كونه فطحيا ليس من هذا الباب في شئ ، فإن القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعا لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر وإن اشتمل طريقه على ضعف كما أشرنا إليه سالفا ، فلم يكن للصحيح كثير مزية توجب له التمييز باصطلاح أو غيره ، فلما اندرست تلك الآثار واستقلت الأسانيد ( 1 ) بالأخبار اضطر المتأخرون إلى تمييز الخالي من الريب وتعيين البعيد عن الشك ، فاصطلحوا على ما قدمنا بيانه ، ولا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلامة ، إلا من السيد جمال الدين بن طاووس - رحمه الله - .

--> ( 1 ) في نسخة ( وأسقطت الأسانيد ) .