ابن إدريس الحلي
15
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
فصل : قوله « خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » الآية : 107 . الخلود : الكون في الامر أبدا . والدوام : البقاء أبدا ، ولهذا يوصف تعالى بأنه دائم ولا يوصف بأنه خالد . وقوله « الا ما شاء ربك » اختلفوا في هذا الاستثناء على عدة أقوال ، فالذي نختاره ويليق بمذهبنا في الارجاء ان اللَّه تعالى أخبر أن الأشقياء المستحقين للعقاب يحصلون في النار . ثم استثنى من أراد من فساق أهل الصلاة إذا أراد التفضل بإسقاط عقابه ، أو من يشفع فيه النبي عليه السّلام ، فعند ذلك لا يدخله النار ، ويكون على هذا « ما » معناها « من » كأنه قال : الا من شاء ربك فلا يدخله النار ، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك وجابر بن عبد اللَّه وأبي سعيد الخدري وجماعة من المفسرين . فصل : قوله « وأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » الآية : 108 . معنى « ما دامت السماوات والأرض » المصدر ، كأنه قال : دوام السماوات والأرض الا مشيئة ربك ، وفيه حسن التقابل ، وفيه جميع ما ذكرناه في الاستثناء من الخلود في النار . الا الوجهين الذين ذكرناهما في جواز إخراج بعض الأشقياء من تناول الوعيد لهم أو إخراجهم من النار بعد دخولهم فيها ، فان ذلك لا يجوز هاهنا ، لإجماع الأمة على أن كل مستحق للثواب لا بد أن يدخل الجنة ولا يخرج منها بعد دخوله . وقيل : فيه وجه آخر يوافق ما قلناه في الآية الأولى ، وهو أن يكون المعنى أن الذين سعدوا بطاعات اللَّه يدخلون الجنة خالدين فيها . واستثنى من جملتهم من كان مستحقا للنار وأراد اللَّه عقابهم ، ثم إخراجهم منها