ابن إدريس الحلي
125
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
انما عوتب على ذلك ، لأنه خرج مغاضبا لهم قبل أن يؤذن له ، فقال قوم : كانت خطيئة من جهة تأويله أنه يجوز له ذلك ، وقد قلنا : انه كان مندوبا إلى المقام ، فلم يكن ذلك محظورا وانما كان ترك الأولى . قوله « فَنادى فِي الظُّلُماتِ » قيل : انها ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ، على ما قاله ابن عباس وقتادة . وقوله « إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » أي : كنت من الباخسين نفسي ثوابها لو أقمت ، لأنه كان مندوبا اليه ، ومن قال بجواز الصغائر على الأنبياء ، قال : كان ذلك صغيرة نقصت ثوابه . فأما الظلم الذي هو كبيرة ، فلا يجوزها عليهم الا الحشوية الجهال الذين لا يعرفون مقادير الأنبياء الذين وصفهم اللَّه بأنه اصطفاهم واختارهم . فصل : قوله « والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ » الآية : 91 . الإحصان إحراز الشيء من الفساد ، فمريم أحصنت فرجها بمنعه من الفساد ، فأثنى اللَّه عليها ورزقها ولدا عظيم الشأن . وقوله « فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا » معناه أجرينا فيها روح المسيح ، كما يجري الهواء بالنفخ ، وأضاف الروح إلى نفسه تعالى على وجه الملك تشريفا له في الاختصاص بالذكر . وقيل : ان اللَّه تعالى أمر جبرئيل بنفخ الروح في فرجها وخلق المسيح في رحمها . وقوله « وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ » معناه انا جعلنا مريم وابنها عيسى آية للعالمين . وانما قال « آيَةً » ولم يثن ، لأنه في موضع دلالة لهما ، فلا يحتاج أن يثني .