الشيخ عباس القمي

119

الأنوار البهية

كم اخترمت أيدي المنون من قرون بعد قرون ، وكم غيرت الأرض ببلاها ، وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس وشيعتهم إلى الأرماس ( 1 ) . وأنت على الدنيا مكب منافس * لخطابها فيها حريص مكاثر على خطر تمسي وتصبح لاهيا * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر وإن امرئ يسعى لدنياه جاهدا * ويذهل عن اخراه لا شك خاسر فحتام على الدنيا إقبالك ، وبشهوتها اشتغالك ، وقد وحظك ( 2 ) القتير ، ووافاك النذير ، وأنت عما يراد بك ساه ، وبلذة يومك لاه . وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللهو واللذات للمرء زاجر أبعد اقتراب الأربعين تربص * وشيب القذال منذ ذلك ذاعر كأنك معني بما هو ضائر * لنفسك عمدا أو عن الرشد جائر انظر إلى الأمم الماضية ، والقرون الفانية ، والملوك العاتية كيف انتسفتهم الأيام فأفناهم الحمام ( 3 ) فامتحت من الدنيا آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم . واضحوا رميما في التراب واقفرت * مجالس منهم عطلت ومقاصر وحلوا بدار لا تزاور بينهم * وأنى لسكان القبور التزاور فما إن ترى إلا جثى قد ثروا ( 4 ) بها * مسنمة تسفي عليها الأعاصر كم عاينت من ذي عز وسلطان ، وجنود وأعوان ، تمكن من دنياه ، ونال منها مناه ، فبنى الحصون والدساكر ( 5 ) ، وجمع الاعلاق والذخائر . فما صرفت كف المنية إذ أتت * مبادرة تهوى إليه الذخائر

--> ( 1 ) الرمس : القبر ، والجمع أرماس : راجع لسان العرب : مادة ( رمس ) : ج 5 ص 314 . ( 2 ) في المصدر : ( وخطك ) . ( 3 ) الحمام : قضاء الموت وقدره ( انظر لسان العرب : مادة ( حمم ) ج 3 ص 338 ) . ( 4 ) في المصدر : ( ثووا ) . ( 5 ) الدسكرة : بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي ( انظر لسان العرب مادة ( دسكر ) ج 4 ص 347 ) .