الشريف الرضي
65
المجازات النبوية
وهاتان الاستعارتان من أحسن الاستعارات ، لان الجوع أبدا إنما كان يلحق العرب في اللاواء ( 1 ) والأزمات والسنين المجدبات ، وتلك السنون تسمى غبرا لاغبرار آفاقها من قلة الأمطار ، وأراضيها من عدم النبات والأعشاب ، ويقولون : هذه حجج ( 2 ) غبر إذا كانت كذلك ، ألا ترى إلى قول الشاعر : أغر يباري الريح في كل شتوة * إذا اغبر أقدام الرجال من المحل وقيل عام الرمادة ( 3 ) لهذا المعنى على أحد القولين ، والقول الآخر : أنه إنما سمى بذلك لهلاك الناس فيه مأخوذ من الرمد وهو الهلاك ، قال الشاعر : صببت عليهم حاصبي فتركتهم * كأضرام ( 4 ) عاد حين جللها الرمد أي الهلاك . والاستعارة الأخرى قوله عليه الصلاة والسلام : والموت الأحمر ، وهذه طريقة للعرب في وصف اليوم العماس ( 5 ) ، واشتداد البأس
--> ( 1 ) اللاواء : الشدة . ( 2 ) الحجج : السنين . ومن ذلك قوله تعالى " على أن تأجرني ثماني حجج " . ( 3 ) رمدت الغنم ترمد : من باب ضرب هلكت ببرد أو صقيع ومنه عام الرمادة الذي هلك فيه الناس والأموال من الجدب وقلة الغذاء ، وكان ذلك في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ( 4 ) ضرم كفرح : اشتد جوعه ، والضرم بوزن كتف : الجائع ، فالاضرام هنا جمع ضرم ، أي كجياع عاد . ( 5 ) العماس : المظلم الشديد .