الشريف الرضي
212
المجازات النبوية
لينزوي من النخامة ( 1 ) كما تنزوي الجلدة في النار " ، يقال انزوت الجلدة إذا انقبضت واجتمعت . وهذا الكلام مجاز ، وفيه قولان : * ( أحدهما ) * أن المسجد يتنزه عن النخامة ، وهي البصقة ، بمعنى أنه يجب أن يكرم عنها ، وألا يبتذل بها . فإذا رؤيت عليه كانت شائنة له ، وزارية ( 2 ) عليه ، فكان معها بمنزلة الرجل ذي الهيئة يشمئز مما يهجنه ( 3 ) ، وينقبض عما يدنسه ، وأصل الانزواء : الانحراف مع تقبض وتجمع . * ( والقول الآخر ) * : أن يكون المراد أهل المسجد ، فأقيم المسجد في الذكر مقامهم لما كان يشتمل عليهم ، وعلى ذلك قول الشاعر : * واستب بعدك يا كليب المجلس ( 4 ) * والمراد أهل المجلس ، لان الاستباب لا يكون بين القاعات والجدران ، وإنما يكون بين الانسان والانسان . فالمعنى أن أهل المسجد ينقبضون من النخامة إذا رأوها فيه ذهابا به عن الأدناس ،
--> ( 1 ) يقال تنخم : إذا دفع بشئ من صدره أو أنفه ، والأول البلغم والثاني المخاط . فالنخامة تشمل الاثنين ، وقد خصها الشريف بالبصقة وهي النوع الأول من النخامة . ( 2 ) يقال زرى عليه : عابه ، أي تكون عيبا فيه . ( 3 ) يهجنه : ينقص قدره . ( 4 ) الاستباب : افتعال من السب ، والمراد بالمجلس أهل المجلس ، أي تشاتم أهل المجلس بعدك يا كليب ، لأنك كنت رئيسهم الذي تحفظ كرامة المجالس .