الشريف الرضي
199
المجازات النبوية
مقبلة " وهذه استعارة لأنه عليه الصلاة والسلام جعل الدنيا بمنزلة الهارب المولى ، والآخرة بمنزلة الطالب المجلى ( 1 ) . وذلك من أحسن التمثيلات ، وأوقع التشبيهات ، لان أبناء الدنيا بمثابة الهاربين من علائق الحمام ، وبوائق الأيام ، والموت الذي هو من أسباب الآخرة بمنزلة المغير على الأرواح ، والهاجم على الآجال ، وهذه الصفة مستمرة للدنيا في شبابها قبل أن تهرم ، وفى ابتداء مدتها قبل أن تتصرم ، لان كون الموت طالبا لأهلها ، ومبددا لشملها ، معلوم من أول انشائها ، وتصوير أبنائها ، وقد يجوز أن يكون المراد بارتحال الدنيا مدبرة معنى آخر يختص بحال الدنيا في أواخر مدتها ، وعند تناهى غايتها . وهو أن توصف بتصرم الأمد ، ونقصان العدد ، كما يقول القائل : قد ارتحل عمر فلان . وقد أدبرت مدة فلان إذا مضى عنفوان أيامه ، وقربت أوقات حمامه . ويروى هذا الكلام على تغيير في ألفاظه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام ، وقد أوردناه في كتابنا الموسوم " بنهج البلاغة " ، وهو المشتمل على مختار كلامه عليه السلام في جميع المعاني والاغراض والأجناس والاعراض ( 2 ) .
--> ( 1 ) المجلى : أي الذي ينظر ببصره إلى من يطلبه ، يقال جلى ببصره تجلية : ذا رمى به . ( 2 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تبعية في قوله ارتحلت ، لان معنى ارتحلت ركبت الراحلة فشبه قرب انقضاء الدنيا بالارتحال للادبار والذهاب بجامع قرب الغاية في كل ، واشتق من الارتحال بمعنى القرب ، ارتحل بمعنى قرب على طريق الاستعارة التبعية ومثل ذلك ارتحلت مقبلة ، أي قرب أوانها .