الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
68
حاشية المكاسب
وأمّا إذا كانت من باب إجازة تصرّفات الفضولي بعد وقوعها على وجه محرّم فلا سبيل يلزم وأزيد من هذا لم يثبت من أدلَّة نفوذ تصرّفات الجائر قوله قدس سره ويستفاد منه أنّه إذا جعلت لا يستفاد منه سوى ما هو حكم الأراضي الخراجيّة أوّلا وبالذات وأنّ أمرها بيد الوالي وأمّا قوله على قدر طاقتهم فذلك إشارة إلى سيرة الوالي ورفقه برعيّته ومعلوم أنّ الوالي العادل لا يحجف في المعاملة فتكون الرّواية أجنبيّة عن التّعرض لكيفيّة معاملات الجائر فإن كان هناك إطلاق في إمضاء معاملات الجائر بحيث يشمل ما كان منها ضرريّا قلنا به ولم يزاحمه دليل نفي الضّرر إذ كان الضّرر الوارد على الرعيّة واردا عليهم بإقدامهم لأنّهم علموا بأنّ المعاملة ضرريّة فأقدموا عليها نعم مع الجهل يثبت لهم الخيار كسائر المعاملات الغبنيّة مع صحّة المعاملة وإن لم يكن هناك إطلاق حكمنا ببطلان المعاملة لعدم ما يقتضي الصّحة وإن فرض إقدام الزارع بالضّرر واستقرّت في ذمّته مع استعمال الأرض بتلك المعاملة أجرة المثل كما إذا استعملها بلا معاملة ولا وجه للقول باستقرار ما لا يضرّ بالحال من المسمىّ بعد فساد المعاملة الواقعة على المسمىّ قوله قدس سره إن كان مختارا في استعمالها لا وجه لما أفاده من التّفصيل لا بالنظر إلى القاعدة ولا بالنّظر إلى التعبّد الوارد في المقام وذلك لأنّ المراد من الجبر في المقام ليس هو الجبر الرافع للاختيار وإلَّا فسدت المعاملة وإن كانت بأقلّ من المسمّى فضلا عن أزيد منه أو المساوي بل هو اختيار المعاملة لكن إن باب الضرورة والإلجاء كمن يبيع داره لشدّة الحاجة إلى ثمنها وهذه معاملة صحيحة وأمّا الرّواية فلئن دلَّت على فساد المعاملة في المقام دلَّت على فسادها مطلقا لا في خصوص صورة الاضطرار إليها قوله قدس سره فإنّما يدلّ على أنّ كلّ من له نصيب لكن دلالته على جواز أخذ صاحب النّصيب نصيبه بما أنّه نصيبه لا بما أنّ ذلك شيء وصل إليه من يد الجائر ممّا لا تنكر فلا يكون لإعطاء الجائر تأثير في حلَّية ما كان حراما في ذاته وعليه فيعتبر رعاية كلّ ما هو معتبر في المصرف من الخصوصيّات قوله قدس سره وكذا تعليل العلامة فيما تقدّم تعليل العلَّامة إن لم تدلّ على عدم اعتبار الاستحقاق فلو تدل على اعتبار الاستحقاق بل ولا يتوهّم فيها الدلالة قوله قدس سره ثمّ أشكل من ذلك تحليل الزكاة الزكاة والخراج من واد واحد ولكلّ منهما مصرف خاصّ فإن قام دليل على نفوذ تصرّفات الجائر مطلقا حتى في غير المصرف قلنا به حتّى في الزكاة وإن لم يقم دليل فلا نقول به حتّى في الخراج فلا وجه لجعل أحدهما أشكل من صاحبه قوله قدس سره الأوّل كونها مفتوحة عنوة اعلم أنّ ملَّاك الأرضين لا يتجاوزون عن أربعة الأوّل جامع الوليّ الصّادق لكلّ من النّبي والوصيّ فإنه يملك الأنفال وهي الموات ويملك كلّ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ويملك من الأرضين رؤس الجبال وبطون الأودية وغير ذلك ممّا هو مذكور في كتاب الخمس الثاني جامع المسلم فإنه يملك الأراضي المفتوحة عنوة أو صلحا على أن تكون الأرض للمسلمين والمالك في هذين القسمين هو الكليّ ولا ضير فيه بعد مساعدة الاعتبار عليه الثالث أشخاص المسلمين فإنّ كلّ واحد منهم يملك ما أحياه من أراضي الأنفال الرابع أشخاص الكفّار فكلّ يملك ما كان بيده إذا صولحوا على أن تكون أراضيهم لهم بل لا يبعد أن يملك الكفّار أيضا أراضي الأنفال بالإحياء ونمنع أنّ ذلك علوّ للكافر على المسلم هذا ولكن المتحصّل لي من مجموع طوائف الأخبار بعد الجمع بينها أنّ الأرض كلَّها لخلفاء للَّه تعالى لا يملك رقبتها غيرهم وأن إضافتها إلى بقيّة الملاك بضرب من الاختصاص الحاصل باختصاص منافعها بهم وفي عين هذا الاختصاص رقبة الأرض للإمام ع فهو كما أنّ السّرج للفرس وفي عين ذلك هو لصاحب الفرس ولازم ما ذكرناه أنّ أراضي الأنفال ذات اختصاصين بالإمام ع اختصاص بالملكيّة وفي هذا تشارك سائر الأرضين واختصاص بالانتفاع بصرف منافعها في مصارفه ع كما أنّ منافع غيرها تصرف في مصارف غيره وأنا أذكر أنموذجا من الطَّوائف الأربعة من الأخبار كي يظهر لك صدق ما ادّعيناه من الجمع والتفصيل في محلَّه الطَّائفة الأولى ما دلّ من الأخبار على أنّ الأراضي كلَّها للإمام فمنها المرويّ عن تفسير النّعمانيّ بإسناده عن علي ع بعد ما ذكر الخمس وأنّ نصفه للإمام ع قال إنّ للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال الَّتي كانت لرسول اللَّه ص قال اللَّه عزّ وجل * ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ لِلَّه والرَّسُولِ ) * وإنّما سألوا الأنفال ليأخذوها لأنفسهم فأجابهم اللَّه بما تقدّم ذكره والدّليل على ذلك قوله * ( فَاتَّقُوا ا لله وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وأَطِيعُوا ا لله ورَسُولَه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * أي الزموا طاعة اللَّه في أن لا تطلبوا ما لا تستحقّونه فما كان للَّه ولرسوله فهو للإمام وله نصيب آخر من الفيء والفيء يقسّم قسمين فمنه ما هو خاصّ للإمام ع وهو قول اللَّه عزّ وجل في سورة الحشر * ( ما أَفاءَ ا لله عَلى رَسُولِه مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّه ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيَتامى والْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ) * وهي البلاد التي لا يوجف عليها بخيل ولا ركاب والضّرب الآخر ما رجع إليهم مما غصبوا عليه في الأصل قال اللَّه تعالى * ( إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) * فكانت الأرض بأسرها لآدم ثم هي للمصطفين الَّذين اصطفاهم وعصمهم فكانوا هم خلفاء في الأرض فلما غصبهم الظَّلمة على الحقّ الذي جعله اللَّه ورسوله لهم وحصل ذلك في أيدي الكفّار وصار في أيديهم على سبيل الغصب بعث اللَّه رسوله محمّدا ص فرجع له ولأوصيائه كلَّما كانوا غصبوا عليه أخذوه منه بالسّيف فصار ذلك ممّا أفاء اللَّه به أي ممّا أرجعه اللَّه إليهم انظر كيف صرّحت هذه الرّواية بأنّ الأراضي المفتوحة عنوة للإمام ع مع ما ورد من الرّوايات بأنّها للمسلمين ووجه الجمع ما ذكرناه من اختصاص ملك الرّقبة بهم وإن كانت منافعها تصرف في مصالح المسلمين وليس يمكن أن يراد من الملكيّة غير الملكيّة الاعتباريّة أعني ملكيّة العلَّة لمعلولها واستيلاءها على معلولها فإنّ هذه الملكيّة لا يعقل فيها غصب واسترجاع والرّواية تضمّنت الغصب والاسترجاع ومنها صحيحة الكابلي عن الباقر ع وجدنا في كتاب عليّ ع أنّ الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين أنا وأهل بيتي الَّذين أورثنا اللَّه الأرض ونحن المتّقون الأرض كلَّها لنا فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام ع من أهل بيتي وله ما أكل حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسّيف فيحويها كما حوى رسول اللَّه ص ومنعها إلَّا ما كان في أيدي شيعتنا فيقاطعهم على ما بأيديهم ويترك الأرض في أيديهم ومنها رواية معلَّى بن خنيس قال قلت لأبي عبد اللَّه ع ما لكم من هذه الأرض فتبسّم ثم قال إنّ اللَّه بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض منها سيحان وجيحان وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشّام ومهران وهو نهر الهند ونيل مصر ودجلة والفرات فما سقت أو استقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شيء إلَّا ما غصب عليه وإنّ وليّنا لفي أوسع فيما بين ذه إلى ذه يعني ما بين السماء والأرض ثم تلا هذه الآية قل هي للَّذين آمنوا في الحياة الدّنيا المغصوبين عليهم خالصة لهم يوم القيمة بلا غصب ومنها صحيحة عمر بن أذينة قال رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك وقد كان حمل إلى أبي عبد اللَّه ع مالا في تلك السّنة فردّه عليه فقلت له لم ردّ عليك أبو عبد اللَّه ع المال الذي حملته إليه فقال إنّي قلت له حين حملت إليه المال إنّي كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها وهي حقّك الَّذي جعل اللَّه تعالى لك في أموالنا فقال وما لنا من الأرض وما أخرج اللَّه منها إلَّا الخمس يا أبا سيار الأرض كلَّها لنا فما أخرج اللَّه منها من شيء فهو لنا قال قلت له أنا أحمل إليك المال كلَّه فقال له يا أبا سيار قد طيّبناه لك وحللنا لك منه فضمّ إليك مالك وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلَّلون ومحلَّل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبهم طسق ما كان في أيدي سواهم فإنّ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم