الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

60

حاشية المكاسب

الإحسان في آيات كثيرة منها وأحسن كما أحسن اللَّه إليك ومنها إنّ اللَّه يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر ومنها للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادة ومنها ما على المحسنين من سبيل إلى غير ذلك أقول لا يخلو الحال إمّا أن يعلم رضى ربّ المال بالأخذ أو يعلم بعدم رضاه أو يجهل لا إشكال على الأوّلين فإن رضاه متّبع ولو بالأكل كما أنّ عدم رضاه متّبع ولو بالحفظ والإيصال وإنّما الإشكال إذا جهل ومقتضى عموم لا يحلّ عدم جواز الأخذ ولو للإيصال وليس أخذ المال مع عدم رضى صاحبه إحسانا له بل إساءة وظلم وعدوان فإذا احتمل عدم رضاه فقد احتمل كون أخذه ظلما ومع ذلك كيف يحكم بجوازه بدليل حسن الإحسان وإنّما يكون إيصال ماله إليه إحسانا حيث يكون راضيا بذلك وهو في المقام مشكوك ومع العلم به جاز بنصّ قوله إلَّا بطيب نفسه بلا حاجة إلى دليل حسن الإحسان والحاصل أنّ موضوع الإحسان غير محرز في المقام حتى يتمسّك لجوازه بدليل حسن الإحسان ولو جاز التّمسك بدليل حسن الإحسان في المقام لجاز التّمسك في الحكم بجواز التصرف في مال كلّ أحد باسترباحه لصاحبه مع أنه باطل بالقطع ولو سلَّمنا فدليل حسن الإحسان معارض بالعموم من وجه بدليل لا يحلّ مال امرئ مسلم فلو لم تقدّم دليل لا يحلّ لأنّه حكم اقتضائي وذلك تخييريّ فلا أقلّ من التّساقط ولو أغضينا عن هذا أيضا فليس الإحسان إلَّا إيصال المال إلى صاحبه دون أخذ المال من الجائر نعم الأخذ منه مقدّمة للإيصال وقد تقرّر في محلَّه أنّ ذات المقدّمة تتّصف بالمطلوبيّة لا المقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها وإن نسب اعتبار القصد إلى المصنّف في الأصول إلَّا أنّ النّسبة لا أصل لها وحسب تلك القاعدة يقع الأخذ محبوبا وإن لم ينوبه الرّد نعم الأخذ بقصد التملَّك يكون داخلا في التجرّي وكأنّه توهّم أن عنوان الإحسان عنوان قصدي وأيضا هو منطبق على نفس الأخذ فالأخذ بنيّة الرّد إحسان وبقصد التملَّك ظلم وعدوان وهو بمعزل من الصواب فإنّه عنوان واقعيّ لا قصديّ ومنطبق على ردّ المال إلى مالكه لا أخذه من يد الغاصب وإنّما الأخذ مقدّمة للإحسان ولا يشترط في اتّصاف المقدّمة بصفة المحبوبيّة قصد التوصّل بها إلى ذيها قوله قدس سره ويحتمل قويّا الضّمان بل هذا هو المتعيّن والتّفصيل باطل وإن قلنا به في الفرض السّابق كبطلان إطلاق القول بعدم الضّمان فإن عموم على اليد يقتضي ضمان كلّ يد أثبتت على مال الغير بوجه سائغ كان أو بوجه غير سائغ وقد خرج من هذا العموم يد الأمين المالكيّ أو الشّرعي ومعلوم أن مجرّد إذن الشّارع بإثبات اليد على مال الغير ليس استئمانا منه على ذلك المال وإنّما يتحقّق الاستيمان بإذنه في إثبات اليد على المال لأجل مصلحة المالك وحفظه وإيصاله إليه والإذن في المقام ليس على هذا الوجه بل على وجه التملَّك لفرض أنّه جاهل بأنّ المال مال الغير فكانت اليد يد ضمان لا يد أمانة وإن كانت مأذونا فيها ثم الضّمان الثّابت باليد ليس ثبوته ما دام اليد بل ثابت وإن أزيلت أو انقلبت عنوانها إلى عنوان الأمانة كما في المقام وذلك لأن عموم على اليد مغيّى بالأداء وحصول المال عند مالكه وما لم يحصل كان الضّمان مستمرّا فلذا لا يزال ضمان الغاصب مستمرّا وإن أخذ المال من يده غاصب آخر أو أخذه محسن لأجل الإيصال إلى مالكه أو ندم الغاصب بنفسه وتاب وقصد إيصال المال إلى مالكه كلّ ذلك لاقتضاء يده ابتداء للضّمان المستمرّ حتى تحصل الغاية وهو حصول المال في يد مالكه وأمّا اليد الفعليّ فليفرض أنّها يد أمانة شرعيّة فإنّ غايته أنّ يد الأمين لا تضمن وقد عرفت أنّ الضّمان في قطعة الاستمرار ليس مستندا إلى استمرار اليد بل إلى ابتدائها وما لا اقتضاء له لا يزاحم ماله الاقتضاء إلَّا أن يثبت أنّ يد الأمين أيضا تقتضي عدم الضّمان فيزاحم حينئذ قطعة استمرار اليد قطعة ابتدائها وعلى كلّ حال لو استأمن المالك الغاصب لم يكن إشكال في عدم الضّمان لأنّ ذلك في قوّة القبض والاستيداع ومن هنا يظهر بطلان قياس المقام على صورة القبض عالما بالحال كبطلان إطلاق المسالك القول بعدم الضمان لما عرفت أنّ عموم على اليد غير قاصر عن شمول المقام ومجرّد إذن الشّارع في إثبات اليد لا يوجب أن تكون اليد يد أمين إنّما الموجب له الأذن في إثبات اليد بعنوان الحفظ لمالكه ولأجل مصلحته لا بأيّ عنوان كان نعم إذا كان المجاز له الجاهل مغرورا من قبل الجائر رجع بما اغترمه على الغارّ قوله قدس سره والظَّاهر أنه لا خلاف في كونه فوريّا لعلّ وجهه أنّ في التأخير يحصل إثبات اليد على مال الغير زائدا على مقدار الضّرورة والتصرّف الزائد على ما يتوقّف عليه إيصال المال بلا إحراز رضى ربّ المال ظلم وعدوان وما هو إحسان هو إمساكه بمقدار يتوقّف عليه إيصال المال فلذلك كان في مقدار الزيادة يده يد ضمان بل إن قصد من مبدأ الأخذ الإيصال على وجه التّراخي كان من ابتداء الأمر غير مرخّص في الأخذ ويده يد ضمان كصورة الأخذ لا بقصد الإيصال ولكن يدفعه أنّ الأخذ بداعي الإيصال في ذاته إحسان والتّعجيل في الإيصال إحسان آخر فلو تراخى لم يخرج فعله عن كونه إحسانا ليكون محرّما ويكون ضامنا كالقابض للعين ظلما وعدوانا فليس تأخير الإيصال هنا كتأخيره في الغاصب هذا على تقدير انطباق الإحسان على نفس الأخذ بقصد الإيصال أمّا لو قلنا إنّ الإحسان هو الإيصال والأخذ للمال مقدّمة له فأيضا كلّ من نحوي الإيصال مقدّمة فجاز اختيار كلّ من النحوين إلَّا أن يقال إنّ المقدّمة في ذاتها محرّمة لأنّها تصرّف في مال الغير بلا علم برضاه وما ساغ منها لأجل توقّف الإحسان عليه هو مقدار الضّرورة وهو أقلّ مقدار يتوقّف عليه إيصال المال إلى صاحبه ولكن لا يخفى عليك أنّ حسن الإحسان ليس حسنا إيجابيا كي يسوّغ من أجله المقدّمة المحرّمة وهذه الهواجس إنّما نشأت من ضعف المبنى في المسألة فإنّ القبض على مال الغير بلا رضاه لا يعدّ إحسانا له فكان الشّك في رضاه شكَّا في كونه إحسانا ومع ذلك كيف يتمسّك بدليل حسن الإحسان فالوجه حرمة الأخذ ولو بقصد الإيصال ما لم يحرز رضى المالك قوله قدس سره نعم يسقط بإعلام صاحبه به الظَّاهر أنّ الأداء معناه واحد وبهذا المعنى الواحد يطلق على أداء الأمانة وأطلق في دليل على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي وفي أداء الفرائض وأداء الدين وأداء حقوق الإخوان إلى غير ذلك والمعنى الجامع بين جميع تلك الموارد هو إيصال الشيء إلى محلَّه ولما كان محلّ الأموال هو تحت سلطنة ملَّاكها وخارج محلَّها هو سلطات الأجانب فإذا خلع الأجنبيّ نفسه عن السّلطنة وأدخلها تحت سلطنة المالك فقد أوصل المال إلى محلَّه وهذا العزل والنّصب يحصل بإعلام المالك بأنّه غير مزاحم لسلطانه ولتصرّفه في ماله فلئن بسط يده إلى ماله فما هو بباسط يده إليه نعم حمل المال إليه ووضعه بين يديه أو في حجره أيضا أداء جوارحي وعزل ونصب خارجيّ لا أنّه شيء خارجيّ فكلّ من الإعلام والإقباض الخارجي مصداق للأداء فأيّ منهما حصل جاز من غير وجه لقصر الجواز بالأوّل والمنع عن الثّاني ولو فرض انحصار الأداء في الأوّل أيضا جاز الحمل إذا كان المال في طريق الحمل في حفظه وحراسته وإن كان الإبقاء في المحلّ أحفظ فإنّه لا يجب على الأمين تحري الأحفظ بل الواجب جنس الحفظ للأمانة في أيّ مكان وضع وإلى أيّ مكان نقل إلَّا أن ينهى المالك عن النّقل ويعيّن وضعه في مكان خاص وبالجملة جواز النقل ولا جوازه لا يدور مدار كونه أداة بل إن كان المال في حفظه جاز النقل وإن لم يكن النّقل أداء وإن لم يكن المال في حفظه لم يجز النّقل وإن كان النّقل أداء فإنّه إنّما يجب عليه الأداء وهذا إضاعة وتفريط