الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

49

حاشية المكاسب

متعلَّق الإجارة وأخذه قيدا في متعلَّق الأمر باطل ولذلك التزموا بخروج داعي الأمر عن حيّز الأمر في أوامر العبادات ولا وجه للفرق بين أخذه قيدا في متعلَّق الأمر الأوّل المتعلَّق بالعمل العبادي وبين أخذه قيدا في متعلَّق أمر آخر كما في المقام حيث إنّ أمر أوفوا متوجّه إلى الإتيان بالعمل العبادي بداعي أمره وفاء لحقّ المستأجر وإن صحّح بالالتزام بتعدّد الأمر أوامر العبادات المصنّف ره في الأصول فالتزم بأمر بالعمل وآخر بالإتيان به بداعي أمره فإنّ ذلك باطل إذ الأمر الأوّل إن تمّ دعوته وبعثه فأوجب حركة المكلَّف نحو الفعل كان الأمر الثاني لغوا وإلَّا لم يوجب الأمر الثاني دعوته فإنّه في موضوع تماميّة الدّعوة من الأمر الأوّل مع أنّ الأمر الأوّل إن لم يكن في ذاته داعيا لم يوجب الأمر الثاني دعوته إذ شأن الأمر أن يدعو هو بنفسه لا أن يجعل ما ليس بداع داعيا والداعي إلى الداعي الَّذي تداولته الأساتيذ وعليه بنوا صحّة الإجارة على العبادات باطل عاطل عندي وسنبيّن وجهه وبسطنا القول فيه في كتابنا بشرى المحققين فصار محصّل هذه الوجوه عدم توجّه خطاب أوفوا الَّذي هو مدرك الحكم بصحّة المعاملات في المقام إمّا لأنّ من توجّهه يلزم ذهاب قصد الإخلاص المأخوذ قيدا في المستأجر عليه الموجب لارتفاع التمكن منه الموجب لعدم توجّهه وإمّا لأنّ عنوان الوفاء الَّذي هو متعلَّقه لا يجتمع مع قصد الإخلاص وإمّا لأنّ الأمر بالعمل بداعي الأمر باطل ولو كان ذلك داعي أمر آخر لا هذا الأمر والجواب عن الوجه الأوّل منع اقتضاء عقد الإجارة انقلاب داعي الأمر إلى داعي أخذ الأجرة لوضوح إمكان عدم لحاظ الأجرة في الإتيان بالعمل وإتيانه خالصا لوجه اللَّه وإن علم بترتّب الأجر عليه فيكون ذلك عنده من المقارنات لا من الدّواعي والعلل ولولا هذا لما تيسّر لأحد الإتيان بشيء من العبادات مع العلم بترتّب آثار دنيويّة على إتيانها من إقبال النّاس عليه وخضوعهم له والصّلة إليه بأموالهم بل نقول إنّ العمل ليس دخيلا في أخذ الأجرة بل الأجرة إمّا أن تكون مقبوضة ابتداء أو يقبضها بمجرّد إخبار المستأجر بأنّه قد عمل وأتى بالمستأجر عليه فكان عمله مع ذلك خالصا لوجه اللَّه تعالى ولو فرضنا مراقبة المستأجر في مورد لعمله فالمراقبة منه لا يكون لقلبه وقصده فكان له أن يأتي بالعمل لنفسه ومع ذلك لو قصد به الوفاء كان ذلك منه للَّه تبارك وتعالى والجواب عن الوجه الثاني أمّا أولا فبأنّ توهّم عدم اجتماع عنوان الوفاء مع قصد العمل للَّه تعالى ناش من الخلط والاشتباه بين لامين لام الغاية الداخلة على المفعول له ولام التعدية الداخلة على المفعول به فتوهّم أنّ اللَّام في الوفاء للمستأجر لام الغاية فلا يجتمع مع العمل للَّه تعالى خالصا لوجهه فإنّ عملا واحدا لا تكون عن غايتين إلَّا أن يكون المجموع غاية واحدة مع أنّ اللَّام فيه لام التعدية والمستأجر مفعول به للوفاء لا مفعول لأجله ولذلك لا يرى تهافت في قولنا ف لزيد حقّه للَّه تعالى وتواضع للعلماء للَّه تعالى وثانيا أنّا نمنع وجوب عنوان الوفاء بخطاب أوفوا بل مصاديق هذا العنوان وما بالحمل الشّائع هو هذا العنوان واجب فإذا تمكَّن من المصاديق كفى ذلك في توجّه خطاب أوفوا وإن لم يتمكَّن من قصد عنوان الوفاء والمفروض أنّ المستأجر في المقام متمكَّن من الإتيان بذات العمل المستأجر عليه أعني العبادة ناويا بها التقرّب فإذا أتى فقد وفى بحق المستأجر واستحقّ بذلك الأجر وإن لم يقصد بإتيانه عنوان الوفاء وثالثا إنّ الدّليل على صحّة الإجارة غير منحصر بخطاب أوفوا حتى إذا سلب منّا هذا الخطاب يقينا حيازا بل نحكم بالصّحة بخطاب تجارة عن تراض مؤيّدا بدليل النّاس مسلَّطون على أموالهم والجواب عن الوجه الثالث ثالث أجوبة الوجه الثّاني قوله قدس سره حيث إنّ الجعالة لا يوجب العمل الجعالة وإن لم توجب العمل لكن توجب رجحان العمل بعنوان معونة المؤمن وقضاء حاجته ولو فرض كفر المستأجر دخل تحت لكلّ كبد حرّى أجر بل إذا كان كسب الأجير لتحصيل قوته وقوت عياله أو للتوسعة عليهم أو للصرف في المصارف المستحبّة لم يحتج إلى إثبات رجحان العمل بعنوان وجوب الوفاء أو بعنوان قضاء حاجة المؤمن أو غير ذلك قوله قدس سره إن أريد أنّ تضاعف الوجوب يؤكَّد لنا اختيار كلّ من الشقيّن ثم الجواب عنه فنختار أوّلا أنّ تضاعف الوجوب يؤكَّد اشتراط الإخلاص قولك إنّ خطاب أوفوا توصّلي وتأكَّد الاشتراط إنّما يكون إذا انضمّ خطاب تعبديّ إلى خطاب آخر تعبّدي وانضمام خطاب توصّلي إلى خطاب تعبّدي يؤكَّد الطَّلب لا اشتراط الإخلاص والتعبديّة فيه أنّه أخذ حسب المفروض في متعلَّق خطاب أوفوا العمل بداعي الإخلاص وداعي التعبّد للأمر الأوّل والأمر الأوّل أيضا في ذاته عبادي فقد تأكد الاشتراط بذلك وهل تأكَّد الاشتراط يحتاج إلى أزيد من هذا ونختار ثانيا أنّ تضاعف الوجوب يؤكَّد وجود الإخلاص بمعنى صدور العمل بداعي كلا الأمرين الَّذي هو أخلص من صدوره بداعي أمر واحد وهذا هو المتعيّن لإرادة المجيب له في مقابل من زعم أنّ أمر أوفوا ينافي وجود الإخلاص فإنّ مقتضى المعاملة أن يثبت عدم المانعيّة من الوجود بل تأكَّد الوجود وبيان اقتضائه للتأكَّد هو أنّ سبل التقرّب كلَّما تعدّدت وأبواب الوصول إلى الحقّ مهما تكثّرت زاد التمكَّن من قصد الإخلاص وعليه فلو آجر نفسه على العمل العباديّ ثم نذره ثم أمر به الأب وهكذا ازداد تمكَّن المكلَّف كلّ مرتبة عن سابقه بمرتبة لا أنّه ارتفع تمكَّنه وهذا هو المراد من التأكد يراد به تأكَّد التمكَّن لا تأكَّد مرتبة الخلوص كعبادة أمير المؤمنين علي ع بالنّسبة إلى عبادة سائر النّاس هذا مع الإغماض عمّا تقدّم وإلَّا فالوجه الثّالث من وجوه تقرير الاستدلال لبطلان الإجارة في المقام لا يبقى لهذه الكلمات مجالا قوله قدس سره لأنّ ما لا يترتّب عليه أجر دنيويّ هذا إذا كان للعمل جهة مقدميّة لأخذ الأجر وقد عرفت أنّ المقام ليس من ذلك بل يمكن أخذ الأجر بلا عمل إمّا بأخذ الأجر سابقا فيأخذ الأجر ثم لا يعمل أو لاحقا بأخباره كاذبا أنّه عمل ولو فرض مراقبة المستأجر له أمكنه أن يعمل لنفسه لا بقصده فإنّه لا استيلاء له على قلبه ومع ذلك لو عمل له لم يكن له داع سوى الخوف من اللَّه تعالى قوله قدس سره فهذا المعنى ينافي وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه تعالى قد تقدم أنّ توهم المنافاة ناش من الخلط بين لامين لام الغاية ولام التعدية فظنّ أنّ اللَّام في عبارة ف لزيد بحقّه لام الغاية فلا يجتمع حينئذ مع كون الغاية امتثال أمر اللَّه تعالى مع أنّها لام التعدية فيجتمع فلذا لا يرى منافاة في عبارة ف لزيد حقّه للَّه تعالى وأعط لزيد ألفا للَّه تبارك وتعالى فالعمل وفاء لحقّ زيد وإعطاء لزيد وغايته الباعثة إليه هو التقرّب قوله قدس سره توضيحه أنّ الشخص يجعل محصّل مرامه أنّ هاهنا عنوانين أحدهما تعلَّق به أمر عبادي ولم تتعلَّق به الإجارة والآخر تعلَّقت به الإجارة ولم يتعلق به أمر عبادي بل تعلَّق به أمر توصّلي فأمّا المتعلَّق للأمر العبادي فذاك رقبة العمل وأمّا الآخر المتعلَّق لطلب استحبابي توصّلي فذلك إتيان ذلك العمل بعنوان النّيابة عن الميّت وبقصد إبراء ذمّته فإنّ الميّت إذا مات سقطت تكاليفه ثم توجّه نظير تلك التّكاليف استحبابا إلى الأحياء بعنوان النيابة عن الميّت والإتيان بنظائر ما فات من الميّت نيابة عنه وهذه بتكاليف استحبابيّة بالنيابة توجّهت إلى الأحياء ابتداء بسبب موت الميّت كما يتوجّه إلى الأحياء بموته تغسيله وتكفينه والصّلاة عليه ودفنه لا أنّها هي تكاليف الميّت قد توجّهت إليهم فإنّ ذلك غير معقول وهذا الأمر الاستحبابي بالنّيابة والإتيان بالعمل بقصد البدليّة عن الميّت توصّلي إن قصد به القربة أثيب عليه وإن أخذ عليه الأجر وأتاه بداعي الأجر لم يثب على نيابته إذ كانت نيابته لا بداعي الإخلاص وهذا لا ينافي أن يكون متن العمل الذي هو عمل عبادي بداعي الإخلاص وبالجملة هناك مطلوبان أحدهما وهو أصل العمل عبادي والآخر وهو العمل بعنوان النيابة أو نفس قصد النيابة توصّلي وقد اجتمعا في الوجود ولا يضرّ في عباديّة المطلوب