الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

50

حاشية المكاسب

العبادي ووقوعه على صفة العبادة وقوع المطلوب الآخر وهو عنوان النّيابة لا على صفته بل بداعي الأجر نظير ما إذا أتى بالعمل العبادي لنفسه ناويا به التقرّب ثمّ أخذ العوض لإهداء ثوابه إلى الغير فكما أنّ أخذ العوض لإهداء الثواب لا يضرّ بالعمل العبادي وعباديّته كذلك أخذ العوض للإتيان بعنوان النّيابة ويردّه أنّ هذا صحيح في موضوع تعدّد الطَّلب ولكنّ المقام أجنبيّ عن ذلك إذ ليس أصل العمل في المقام مطلوبا وإتيانه بعنوان البدليّة عن الميّت مطلوبا آخر بل مجموع القيد والمقيّد أعني العمل بعنوان النيابة مطلوب واحد بحيث لو رفعت عنه النّيابة بقي أصل العمل لغوا بلا أمر ويوضّح ما ذكرناه ملاحظة صلاة الظَّهر والعصر إذا خلت ذمّة الحيّ عنهما قضاء وأداء فأراد أن يصليهما عن الميّت فإنّهما غير مشروعان في حقّه إلَّا بعنوان النيابة بحيث لو أتى بهما لا بعنوانها كان مشرّعا في فعله وهذا يكشف عن أنّ رقبة العمل ليست مطلوبة وعنوان النيابة مطلوبا آخر بل المطلوب واحد قيد ومقيّد إن أتى به بقيده بداعي الأمر صحّ وإلَّا فسد ومنه يظهر الفرق بين المقام وبين مثال الهديّة فإنّ أصل العمل هناك مطلوب عبادي بعنوان نفسه والهديّة للثواب مطلوب آخر استحبابي بما أنّه إحسان للغير فإذا عمل لنفسه بقصد الأمر وقع عمله صحيحا وأثيب عليه ثمّ إذا أهدى ثواب عمله إلى الغير إمّا مجّانا قربة إلى اللَّه تعالى أو بعوض لم يفسد ذلك عمله الواقع صحيحا قوله قدس سره قلت الكلام في أن مورد الإجارة يعني أنّ الإجارة لا بدّ وأن تتعلَّق بما أمكن أن تدعو إليه وتبعث نحوه وإلَّا بطلت الإجارة وإن أمكن الإتيان بمتعلَّقها لا بدعوتها فليس مجرّد القدرة على المتعلَّق كافيا بل لا بدّ من القدرة على عنوان الوفاء وهذا في المقام غير حاصل فلذا كانت الإجارة باطلة ولعلّ السّر في هذا أنّ صحّة الإجارة مستفادة من عموم أوفوا وعموم أوفوا لا يشمل إلَّا صورة كان الوفاء مقدورا ففيما لا قدرة على عنوان الوفاء لم يكن دليل يدلّ على صحّة الإجارة ومقتضى الأصل الفساد وفيه أولا منع توقف شمول أوفوا على القدرة على عنوان الوفاء بل كفى أن يكون مصداق هذا العنوان مقدورا وهو في المقام موجود وثانيا نمنع عدم القدرة على عنوان الوفاء في المقام وقد ذكرنا سابقا أنّ منشأ توهّم عدم القدرة هو تخيّل منافاته لقصد الإخلاص وبيّنا فساد ذلك وثالثا هب أنّ عموم أوفوا لا يشمل المقام لكن الدليل على صحّة الإجارة غير منحصر فيه فإنّ عموم تجارة عن تراض كاف للحكم بالصّحة قوله قدس سره قلت فرق بين الغرض الدّنيويّ مقصوده الفرق بين غرض كان مطلوبا للشّارع سواء كان من الأمور الدّنيويّة أو الأخرويّة وبين غرض لم يكن مطلوبا للشّارع فما كان مطلوبا لم يكن مضرّا بالإخلاص بل كان مؤكَّدا له بخلاف ما لم يكن مطلوبا ومورد الإجارة من قبيل الثّاني فإنّ الإتيان بالعمل لغرض تحصيل الأجرة من المستأجر ليس مطلوبا للشّارع فلذلك كان قصده منافيا لقصد الإخلاص بالعمل بخلاف المقيس عليه فإنّ الإتيان بالعمل لغرض تحصيل الأجر من اللَّه تعالى مطلوب إذ طلب الأجر منه تعالى مطلوب فلذلك كان طلبه منه تعالى بالعمل مؤكَّدا للإخلاص لكن يردّه أنّ لازم هذا تصحيح الإجارة في غير مورد من الموارد كما إذا آجر نفسه لغرض أن ينفق بالأجرة على من يجب نفقته عليه أو يوسّع بها على عياله أو يصرف في سبيل الخير والمعروف وبالجملة أن يصرف في مصارف مطلوبة للشّارع فإنّ الأغراض في هذه الموارد مطلوبة للشّارع فلا يكون قصدها منافيا للإخلاص بل يكون مؤكَّدا له ثم لا يخفى عليك أنّ حيثيّة السؤال والجواب في عبارة الكتاب مختلفة فإنّ ظاهر كلام المستشكل أنّه أراد تصحيح الإجارة بجعل أخذ الأجرة من قبيل الدّاعي على الداعي كما في المقيس عليه وقد جعل الداعي على الداعي في المقيس عليه من المفروغ عنه فلا يكون منافيا للإخلاص من باب أنّه ليس في عرض داعي الأمر بل الأمر مستقلا داع إلى العمل والأجر داع على كون الأمر داعيا وحقّ هذا السؤال ومناسبة أن يتكلَّم حول الداعي على الدّاعي ولعلّ المصنّف ره من جهة أن مرتكز ذهنه هو بطلان الدّاعي على الدّاعي سحب الكلام إلى واد آخر وأبدى الفارق بين المقيس والمقيس عليه بعد الفراغ عن أنّ داعي الأجر في الموردين داع عرضيّ ومع ذلك حكم بأنّه لا يضرّ في المقيس عليه ويضرّ في المقام والحقّ بطلان الداعي على الدّاعي وإن بنى معظم أساتيذنا تصحيح أخذ الأجرة على الواجبات على أساس الدّاعي على الدّاعي فيكون أخذ الأجرة داعيا لأن يؤتى بالعمل بداع الأمر وأنت لو تأمّلت علمت أنّ الدّاعي أعني المحرّك الباعث إلى العمل لا يعقل في غير الأفعال الاختياريّة ودعوة الأمر ليس فعلا من أفعال المكلَّف فضلا عن أن يكون اختياريّا ومع ذلك كيف يعقل أن يدعو أمر إلى أن يكون أمر آخر داعيا وهل الداعي يكون عن داع مع أنه يلزم التّسلسل على ذلك في الدّواعي ولم ينته إلى حدّ فكلّ ما يرى في الصورة من الدّواعي المترتّبة فالدّاعي الحقيقيّ واحد وهو الغرض الأقصى دون الأغراض المتوسطة الَّتي يعلَّل بها الفعل في الصورة وأمّا العمل بالأجر من اللَّه تعالى أو لأجل قضاء المطالب الدنيويّة فالحقّ أنّ الدّاعي المستقلّ هناك هو الأجر وقضاء الحاجة ومع ذلك لا يخرج العمل عن كونه عبادة فإنّ العباديّة لا تنحصر في قصد امتثال الأمر بل كل من العمل بقصد امتثال الأمر والعمل طلبا لما وعد به الشّارع من الثواب وفرارا عن العقاب عبادة الأوّل عبادة الأحرار والثّاني عبادة الأجراء والثّالث عبادة العبيد كما أشير إلى ذلك في الحديث والإشكال نشأ من قصرهم العبادة في قصد امتثال الأمر وقد التجأوا من أجل ذلك إلى جعل الثّواب والعقاب من قبيل الدّاعي على الداعي وهو باطل فإنّ الإصغاء إلى كلّ ناعق عبادة له ومعنى الإصغاء الانفعال والتأثّر من النّاعق كان التأثّر من أمره أو من وعده للثّواب أو من وعيده بالعقاب ومقابل هذا كلَّه هو العاصي الَّذي لا يؤثّر شيئا من ذاك في مزاجه فهو الذي يكون تاركا لعبادة ربّه فإذا وعد الشّارع توسعة المعيشة لمن صلَّى صلاة جعفر كانت صلاة جعفر طلبا لهذه الوعدة من غير نظر إلى أمر الشّارع بها عبادة للشّارع وإصغاء إلى دعوته ولو قال الجاعل من ردّ ضالَّتي فله كذا فرددت ضالته طلبا لما وعد فقد عبدته وتفصيل هذا وبطلان الداعي على الدّاعي يطلب من كتابنا بشرى المحقّقين قوله قدس سره أقواها أنّ التنافي بين صفة الوجوب والتملَّك ذاتيّ كأنّه يرى الوجوب وصفة التملَّك من الصفات المتضادّة أو المتناقضة أو المتماثلة الَّتي لا يجوز اجتماع اثنين منها فالواجب قد استحقّه المولى على عبده ومع ذلك لن يستحقّه الغير بعقد الإجارة ومعنى هذا عدم اجتماع سلطنتين تامّتين مستقلَّتين على شيء واحد فإذا كانت عين أو عمل ملكا أو حقّا لأحد وكان تحت سلطانه لم يجز أن يكون ذلك ملكا وحقّا لآخر وتحت سلطانه والعمل في المقام حقّ للمولى فلا يستحقّه آخر كما أنّ العمل في باب الإجارة حقّ للمستأجر فلا يستحقّه آخر بإجارة أخرى يعني أنّ الشيء بوصف كونه مملوكا لواحد لا يعقل أن يكون مملوكا لآخر وأمّا سلب مملوكيّته للأوّل وإحداث مملوكيّته للآخر فلا مانع منه بل أثر المعاملات هو ذلك فإنّها سلب لملكيّة شخص وإحداث لملكيّة آخر ثم إنّ المصنّف اعترف بكليّة الكبرى وإنّ المملوك لا يملك ثانيا وناقش في كون المقام من ذلك منكرا كون الإيجاب من قبيل تملَّك المولى للعمل حتى لا يجوز تملكه ثانيا بعقد إجارة ونحوها فلا مانع من تملَّك الواجب وإن لم يجز تملَّك المملوك وأمّا نحن فنمنع الأصل وننكر أنّ المملوك لا يملك ثانيا بل يمكن أن تجتمع ملكيّتان عرضيّتان مستقلَّتان على مال واحد كما تجتمع أوصياء متعدّدون ووكلاء متعدّدون على مال واحد كلّ مستقلّ في وصيّته ووكالته وكأنّ توهّم الامتناع نشأ من تضمين الملك وتبطينها السّلطنة على دفع المزاحم فكانت الملكيّة مركَّبة من عقدين إثباتيّ هو السّلطنة على التصرّفات بلا مراجعة أحد وسلبيّ هو السّلطنة على منع الغير من التصرّف ومعلوم أنّ ما هذا شأنه لا يجتمع اثنان