الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
47
حاشية المكاسب
إيجاب صرف الضّرر المتوجّه إلى الغير إلى نفسه لكنّ القياس باطل والمقام من قبيل إضرار الغير دفعا للضّرر عن النّفس كرفع الصّخرة المانعة من دخول ذلك السّيل إلى دار الغير الموجب لدخوله إلى داره فيصرف بذلك الضّرر عن نفسه إلى الغير ودعوى أنّ المكره بالفتح وإن كان مباشرا فهو ضعيف مدفوعة بمنع الضّعف أليس هو الجزء الأخير من العلَّة التامّة بل لولا مباشرته بما لم تنله يد المكره بالكسر ولم تبلغه مقدرته وعلى فرض تسليم الضّعف فالمضرّ في المقام هو التدخل وإن كان ضعيفا فإنّ تجويز الشارع مباشرة الإضرار قبيح وعلى خلاف المنّة وإن كان المباشر ضعيفا وإنّما يختلف بالقوّة والضّعف الحكم بالضّمان قوله قدس سره بخلاف ما لو ألزم الشارع قد عرفت أنّ المقام أجنبيّ من ذلك داخل في الإلزام بترك إضرار الغير وإن تضرّر هو وهذا ليس حكما حرجيّا بل هو مقتضى قانون العدل فإن إضرار الغير لدفع الضرر عن النّفس قبيح سواء كان ذلك بصرف الضرر المتوجّه إلى نفسه إلى الغير أو كان بإضرار الغير صونا للنّفس عن عقاب المكره فإنّ ذلك كلَّه مندرج تحت عنوان إضرار الغير حفظا للنّفس عن الضرر وأجنبيّ عن باب تحمّل ضرر الغير وصرفه إلى نفسه كصرف السّيل من دار الغير إلى دار نفسه قوله قدس سره الثّاني أنّ الإكراه يتحقّق بالتّوعيد بالضّرر الإكراه يتحقّق بالتوعيد بأمر يكرهه المكره بالفتح ولا يختاره لولا قاهر خارجيّ سواء كان ذلك القاهر الخارجيّ ضرر نفسه أو ضرر الغير وسواء كان الغير قريبا أو بعيدا وسواء كان صديقا أو أجنبيّا فأمّا مع التوعيد بأمر لا يكرهه بل يحبّه فلا إكراه ولو كان الذي يحبّه هو ضرر نفسه بل هلاكه فليست القرابة والبعد ضابطة في هذا الباب بل الضّابطة كره الجزاء فربما يكون الجزاء ضرر نفسه ولا يكرهه وربما يكون ضرر الغير ويكرهه ولا يختاره وإن ورد على نفسه ما ورد ومنه يظهر أنّ هذا يختلف باختلاف الأشخاص فربّ شخص لا يتأثّر بالسبّ والشّتم فلم يكن توعيده بذلك إكراها وآخر يتأثّر بأدنى كلمة خشنة بحيث يدفع في سبيل دفعها أعزّ الأموال فكان توعيده بها إكراها وأيضا قد لا يتأثّر شخص عن قتل جميع من في الأرض وهلاكهم وآخر يتألَّم من تعدّي حيوان على مثله وافتراسه بل شخص واحد ربّما تختلف حالاته فهو في كلّ حال يلحقه حكم ذلك الحال ولا يخفى أنّ الجبلَّة البشريّة والفطرة الإنسانيّة تكره قتل إنسان كافر فضلا عن مؤمن فرواية الاحتجاج واردة على طبق القاعدة وعلى وفق دليل رفع الإكراه لا أنّها تعبّد على خلاف دليل رفع الإكراه كما ظنّه المصنّف واعلم أنه كما يعتبر كراهة الضرر المتوعّد به كذلك يعتبر كراهة الفعل المتوعّد عليه فلو لا هذه الكراهة لا إكراه كما لو قال تزوّج وإلَّا قتلتك أو قال كلّ أطيب المأكل والبس أفخر الألبسة وإلَّا نهبتك وهو يحبّ جميع ذلك بحيث يختاره بصرافة طبعه لولا القول من هذا نعم لا فرق في كراهة الفعل بين الكراهة الذاتيّة وبين الكراهة العرضيّة ومنها نهي الشارع ولذا لو قال أزن أو أسرق وإلَّا قتلتك كان ذلك إكراها ويعتبر أيضا في تحقّق الإكراه مضافا إلى ما ذكرناه سلطنة المكره واقتداره على إنفاذ وعيده وكان أيضا يخاف منه الإنفاذ أمّا مع العجز ولو لقدرة هذا بسهولة على دفاعه أو لم يكن عاجزا لكن علم منه عدم الإنفاذ وأنّ القول منه مجرّد إرعاب وتخويف فلا إكراه قوله قدس سره لكن لا يخفى أنّه لا يباح بهذا النحو من التقيّة عدم الإباحة ليس مختصّا بأن يكون الدّليل على الإباحة هو رواية الاحتجاج بل لو كان الدّليل حديث رفع الإكراه أيضا لم يبح والوجه المخرج لهذه الصورة عن عموم حديث نفي الإكراه هو الوجه المخرج لها عن رواية الاحتجاج أعني برهان القبح الذي أشار إليه المصنّف في طيّ كلامه هذا لو لم نخصّصه في المقام السّابق وقد عرفت أنّ المختار تخصيصه هناك أيضا بعين برهان القبح وبرهان عدم المنّة في دفع الإكراه بالإضرار بالغير لحفظ النّفس عن الضّرر بل قد عرفت أنّ ذلك مستفاد من حديث إنّما جعلت التقيّة بناء على تفسيره بما فسّره المصنّف فظهر أنّ ما أتعب به المصنّف نفسه من منع عموم دليل نفي الإكراه لما إذا كان الإكراه بالتوعيد بضرر مؤمن ثم إلحاقه به في الحكم لأجل رواية الاحتجاج مع فساده في نفسه لما تقدّم من عموم دليل نفي الإكراه لا ثمرة فيه وما توهّمه ثمرة لكون الدّليل هو رواية الاحتجاج وهو عدم شمول هذه الرّواية لما إذا كان الإكراه على الإضرار بمؤمن بالتوعيد بإضرار مؤمن آخر مشترك بينه وبين كون الدليل حديث رفع الإكراه فلا وجه لإتعاب النفس قوله قدس سره فتأمّل لعلَّه إشارة إلى تسويغه للدّم أيضا إذا دار الأمر بين دمين مختلفين بحسب الكمّ كدم واحد ودماء متعدّدة أو بحسب الكيف كدم سوقي ودم إمام معصوم قوله قدس سره لعدم الإكراه المانع عن الضّمان إن كان شأن حديث الرّفع رفع الأحكام الوضعيّة ارتفع الضّمان في المقام بعنوان رفع الاضطرار لأنّ نفس المؤمن بعد أن وجب حفظها كان كنفسه هو إذا توقّف حفظها على ارتكاب محرّم ولو كان ذلك المحرّم نهب أموال النّاس ثم لم يضمنه بمقتضى حديث رفع الاضطرار الرافع للأحكام الوضعيّة لكن رفع الحديث لما عدا الأحكام التكليفيّة غير ثابت وإن يظهر ذلك من استدلاله ع به لفساد إطلاق المكره لكن التعدّي عن مورد النّص مشكل وإذا أفتوا بالضّمان في أكل مال الغير في المخمصة ثم إنّ صور الاضطرار إلى كلّ من سفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال تسع حاصلة من ضرب الثّلاثة المضطرّ إليها في ثلاثة الغاية أعني ما كان لأجل حفظ نفس آخر أو صون عرضه أو حفظ ماله هذا مع عدم مراعاة النسبة والمقايسة بين الدّم الذي يسفكه والعرض الذي يهتكه والمال الذي ينهبه وبين الدم والعرض والمال الذي يصونه ويحفظه كما وكيفا وإلَّا زادت الصّور بكثير واحتاج معرفة أحكامها إلى مزيد غور في الفقه وأنس بالأدلة أمّا التّسع الصور الأصليّة فحكمها أنه لا ينبغي التوقّف في حرمة سفك الدّم بصورة الثلاث أعني ما كان لكلّ من حفظ النّفس وصون العرض وحفظ المال على تأمّل من المصنّف فيما كانت الغاية صون العرض وإن لم يستبعد أخيرا ترجيح حفظ النفس كما لا ينبغي التوقّف في حرمة كلّ من نهب المال وهتك العرض لغاية مثله فيهتك عرضا لصون عرض آخر أو ينهب مالا لحفظ مال آخر وأيضا لا ينبغي التوقّف في جواز كلّ منهما لغاية حفظ النفس فإنه لا يعادل نفس المؤمن شيء فيبقى من الصّور التّسع اثنان أعني هتك العرض لغاية حفظ المال وبالعكس وقد تأمّل المصنّف في جواز نهب المال لغاية صيانة العرض ويلزمه بالأولى التأمّل في عكسه قوله قدس سره وكأنّ منشأ زعم الخلاف منشأ زعم التفصيل في المسألة هو ما توهّمه المسالك من عبارة الشرائع ومنشأ اشتراط العجز عن التفصي مطلقا ما أوهمته عبارة المسالك في بيان مختاره وكلا التوهّمين فاسدان أمّا وجه فساد الأوّل فقد تعرّضه المصنّف وأمّا وجه فساد الثّاني فهو أن العجز الَّذي نفى المسالك اعتباره هو العجز العقليّ كما يشهد له ملاحظة ذيل كلامه وتعبيره بالإلجاء وصريح إيراده على من اعتبر العجز بوجوب بذل مال كثير لو توقّف عليه ترك ما أكره عليه وهذا العجز لم يعتبره أحد والعجز الَّذي اعتبروه هو العجز عن التفصّي من دون ضرر ماليّ وبلا حرج وكلفة قوله قدس سره الرابع أن قبول الولاية اعلم أنّ شأن دليل رفع الإكراه هو رفع الإلزام عن مورد الإكراه وأمّا تعيين حكم آخر فلا فيرجع في تعيين حكم المورد إلى ما تقتضيه القواعد ومقتضاها الحرمة إذا كان أثر الإتيان بما أكره عليه ضرر النفس أو العرض وأمّا إذا كان أثره مجرّد الضرر الماليّ فلا لأن إعطاء المال لا حرمة فيه فلا يكون فعل ما يوجبه محرّما ودعوى أنّ هذا فيما إذا كان البذل بطيب نفسه وإلَّا كان البذل محرّما إذا كان إعانة على الأخذ المحرّم مدفوعة بعدم صدق الإعانة على ذلك وقد تقدّم أن تجارة التاجر ليس إعانة لأخذ العشور ولا مسير الحاجّ والقوافل لسرقة السّارقين وظلم الظَّالمين ولا يلتزم أحد بحرمة ترك