الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

46

حاشية المكاسب

أقلّ فلا يرتفع يدلّ على الأوّل قوله ع إنّما جعل التقيّة لتحقن به الدّماء فإذا بلغ الدّم فلا تقيّة بتقريب أنّ المستفاد من الحديث أنّ كلَّما شرّعت التقيّة لحفظه إذا بلغته التقيّة فلا تقيّة ومن المعلوم أنّ التقيّة كما شرّعت لحقن الدّماء كذلك شرّعت لحفظ الأعراض والأموال ومقتضاه أن لا يشرع بها هتك الأعراض ونهب الأموال لا يقال إن التقيّة شرّعت لحفظ دم كلّ مؤمن لا خصوص دم المتّقي فإذا أكره على سفك دم مؤمن لم تسوّغه التقيّة بحكم الحديث وهذا بخلاف العرض والمال فإنّه لم تشرع التقيّة إلَّا لحفظ عرض نفس المتّقي أو ماله فإذا أكره على هتك عرض مؤمن آخر أو نهب ماله سوّغته التقيّة ولم يكن على خلاف مصلحة التقيّة فإنّا نقول كلَّا بل شرّعت التقيّة لحفظ مال كلّ مؤمن وصون عرضه كما يظهر ذلك بملاحظة رواية الاحتجاج الآتية وقد استدلّ المصنّف بحديث إنّما جعل التقيّة على الوجه الثّاني جمودا على كلمة إنّما المفيدة للحصر مع أنّ من المقطوع به عموم حكمة جعل التقيّة فلا بدّ من التصرف في كلمة إنّما مع أنّ تشريع الإضرار على الغير لدفع الضّرر عن النفس بمكان من القبح ومخالفة المنّة فلئن عمّ حديث نفي الإكراه لم يكن بدّ من تخصيصه بالمحرمات التي ليس فيها حقّ أحد من الخلق ولو قيل بالمقايسة بين الضّررين وتقديم أقواهما لم يكن بعيدا لأنّ نسبة المكلَّفين إلى الشّارع نسبة واحدة ومقتضى المنّة حفظ نوع المكلَّفين عن الضّرر فإذا كان مقدار من الضّرر واردا على كلّ حال إمّا على نفسه أو على الغير كانت المنّة مقتضية لحفظ نوع الأمة من الزيادة وذلك يكون بتشريع النّاقص لدفع الزائد كان النّاقص هو ضرر نفسه أو ضرر الغير نعم هذا استحسان محض لا يصار إليه إلَّا بعد قيام الدّليل ولا دليل عدا دليل نفي الإكراه إلَّا أن يقال إنّ إطلاق هذا الدّليل لا يرفع اليد عنه إلَّا بمقدار كان على خلاف المنّة وهو جواز الإضرار بالغير لدفع الضّرر عن النفس ضررا يساوي ضرر الغير أو ينقص عنه وأمّا إطلاقه بالنّسبة إلى الإضرار بالغير لدفع ضرر أقوى عن النّفس وإن شئت قلت لدفع فضلة الضّررين فذلك ممّا لا مانع منه فيؤخذ به ويحكم بجواز هتك عرض الغير ونهب ماله لحفظ عرض نفسه ومال نفسه وممّا يشهد على عدم عموم دليل نفي الإكراه للإكراه على الإضرار بالغير أنّه لو عمّ لعمّت فقرة نفي الاضطرار أيضا فإنهما في سياق واحد وفي العموم والخصوص سيّان لكن فقرة نفي الاضطرار لا تعمّ فكذلك فقرة نفي الإكراه أمّا عدم عموم فقرة نفي الاضطرار فلقبح تشريع الإضرار بالغير لدفع ضرر النّفس وأيضا هو على خلاف المنّة كما أشار إليه المصنّف ره ولذا لا ترى أحدا يجوّز هتك أعراض النّاس ونهب أموالهم إذا توقّف عليه صون عرضه وحفظ ماله مع أنّه يجوّز قطع الصّلاة وارتكاب المحرّمات الأخر إذا توقّف عليه صون عرضه وحفظ ماله فبضرورة الاضطرار تراهم يجوّزون المحارم الإلهيّة الَّتي ليس فيها حقّ أحد من الخلق ولا يجوّزون الَّتي فيها حق خلقي فإذا كان الحال في فقرة نفي الاضطرار كذلك فليكن الحال في فقرة نفي الإكراه أيضا كذلك فإنّ الفقرتين في شأن واحد لكن المصنّف أبدى الفارق بوجه غير فارق وسنشير إليه قوله قدس سره ومن أنّ المستفاد من أدلة الإكراه لا يخفى أنّ المصنّف لم يتعرّض لوجه ثاني الوجهين الذي أشار إليه أعني رعاية جانب أقوى الضّررين وإنّما هذا وجه عدم ارتفاع المحرّمات الخلقيّة مطلقا بلا ملاحظة النسبة بين الضّررين وهذا هو أوّل الوجوه الَّذي نحن أشرنا إليه ولم يذكره المصنّف وقد بيّنا ما يكون وجها للتّفصيل فراجع قوله قدس سره فإنّ إلزام الغير تحمّل نعم إلزام الغير بتحمّل ما توجّه إلى الغير من الضّرر وصرفه إلى نفسه حرج كسيل توجّه إلى دار الغير وبستانه أو سارق قصده فيجب عليه صرفهما إلى نفسه إلَّا أنّه بمعزل من المقام فإنّ المقام من قبيل النّهي عن الإضرار بالغير وإن تضرّر الشّخص بذلك كصخرة قدّام بستان الغير مانعة عن دخول السّيل إلى بستانه صارفة له إلى دار الشّخص وبستانه فيحرم عليه قلع تلك الصّخرة وإضرار الغير بالسيل وإن لزم من ذلك ضرر نفسه بتوجّه السّيل إلى داره فإنّ التّحريم المذكور ليس حكما حرجيّا بل تجويز رفع الصّخرة تسويغ للإضرار بالغير دفعا للضّرر عن النّفس وهو قبيح وكذلك المقام مباشرة المكره بالفتح لإضرار الغير جزء من العلَّة التامّة الموقعة للغير في الضّرر وجزؤها الآخر إرادة المكره بالكسر فربما لا يتمكَّن المكره من الإضرار بنفسه لولا مباشرة المكره بالفتح فكان فعليّة الضّرر بإتيانه الجزء الأخير من العلَّة التامّة وهو مباشرته للفعل فتجويز هذه المباشرة تجويز للإضرار بالغير دفعا للضّرر المتوعّد به عن النفس وهو قبيح وعلى خلاف المنّة هذا مع أنّ الضّرر الواردة على تقدير المخالفة هو غير الضرر المتوجّه إليه بإرادة المكره بل هذا جزاء على مخالفته فربما خالف هذا الضّرر الضّرر الذي تعلَّقت به إرادته من حيث النّوع كما إذا قال خذ لي من زيد كذا مقدار من المال وإلَّا ضربتك أو شتمتك أو هتكت عرضك فإلزام الشّارع ترك أخذ المال ليس إلزاما بتحمّل الضّرر الوارد على الغير ليكون حرجا بل إلزام بترك إضرار الغير وإن تضرّر هو بذلك توضيحه أنّ للمكره بالكسر إرادتين طوليّتين إحداهما متعلَّقة بضرر الغير بواسطة مباشرة المكره والأخرى متعلَّقة بضرر المكره بالفتح في موضوع مخالفته لأمره بمباشرته هو وهذا ضرر آخر غير الضّرر الأوّل تعلَّقت به إرادته في موضوع مخالفة المكره فليس إلزام المكره بترك العمل بما أكره عليه إلزاما بتحمّل ضرر الغير ليكون حكما حرجيّا وإنّما هو إلزام بعدم إضرار الغير وإن تضرّر هو بذلك مع أنّه لو جاز الإضرار هنا لجاز الإضرار فيما لو خيّره المكره بين أن يعطيه من ماله أو من مال شخص آخر فإنّه لا فرق بين المقامين إلَّا في مجرّد العبارة فيقول خذ لي من زيد وإلَّا أخذت منك أو يقول أعطني إمّا من نفسك أو خذ لي من زيد قوله قدس سره دلّ على أنّ حد التقيّة بلوغ قد تقدم منّا الاستدلال بالحديث للطرف المقابل مع أنّ لنا مناقشة في فقه الحديث وأن بلوغ الدم ليس بمعنى كون متعلَّق الإكراه هو الدّم بل معناه حصول سفك الدّم لا محالة إن اتّقى أو لم يتّق فكان تشريع التقيّة لغوا بلا غاية إذ بعد إن كان الشخص مقتولا لا محالة لم تكن للتقيّة معنى ومحلّ وهذا ممّا يحكم به العقل بلا حاجة إلى ورود الحديث قوله قدس سره بمعنى رفع الضّرر المتوجّه لم يقل أحد بأنّه بمعنى دفع الضّرر المتوجّه بل مع كونه بمعنى دفع مقتضى الضّرر يقال باختصاصه بما إذا لم يلزم من رفعه ضرر على الغير لقبح رفع ضرر بتسويغ ضرر آخر لا سيّما إذا كان الضرر الثاني أعظم وأيضا إنّ ذلك خلاف الامتنان على نوع الأمّة فيختصّ دليل رفع الإكراه بالإكراه بالمحرّمات الإلهيّة التي ليس فيها حقّ أحد من المخلوقين والحاصل أنه إذا دار الأمر بين ضررين لم تكن منّة في تسويغ أحدهما توقيا من الآخر بل ربما قبح كما إذا سوّغ ضرر الغير صونا للنفس عن الوقوع في الضّرر لا سيّما إذا كان ضرر الغير أعظم إنّما المنّة إذا اختصّ الضرر بجانب فيحرّم حينئذ أو يرفع الإلزام عمّا يوجبه ليتمكَّن المكلَّف من التخلَّص والفرار عن الضّرر قوله قدس سره وأمّا الثاني فالضّرر فيه أولا وبالذات هذا مجرّد تعبير لا واقع تحته ولا حقيقة دونه فإنّا لا نفرّق بين أن يقول المكره خذ لي من زيد وإلَّا أخذت منك وبين أن يقول أعطني إمّا منك أو من زيد في توجّه الإرادة إلى إضرار أحد شخصين ومجرّد الفرق في العبارة لا يغيّر الواقعيات فإن كان الإكراه في الأوّل مسوّغا لأخذ المال من زيد كان مسوّغا له في الثاني لكنّه ليس مسوّغا في الأوّل بالقطع فكذلك في الثاني والاشتباه وزعم التفرقة نشأ من توهّم أن إرادة المكره المتوجّهة إلى إضرار الغير نظير السّيل المتوجّه إلى دار الغير ومنع المكره عمّا أكره عليه كإيجاب صرف ذلك السّيل إلى دار نفسه في أنّه من باب