الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
40
حاشية المكاسب
في الهزل الكذب في مقام الهزل اقتضت قرينة المقابلة أن يراد من الكذب في الجدّ الكذب في مقام الجدّ وإن كان كذب هزل فيدخل الكذب هزلا تحت الكذب في الجدّ فيكون متيقّن التحريم بالنّسبة إلى الكذب الجدّي في مقام الهزل مع أنّه ليس كذلك والحقّ أن يقال إنّ المقسم ينبغي أن يكون محفوظا في قسميه وهو في الرّواية الكذب ومعلوم أنّ الكذب هزلا ليس بكذب لا سيّما مع قيام القرينة على أنّه هازل بل لو كان خبره صادقا مع القرينة على الهزل لم يبعد عدّه كذبا وعلى هذا نقول ينبغي أن لا يكون المراد من الهزل حقيقة الهزل وعدم القصد الجدّي للمعنى بل نظير عدم القصد إلى الوفاء بالوعد فإنّ الأخبار بأنه سيفعل في المستقبل أخبار حقيقيّ جديّ لا هزل فيه لكن لمكان أنّه غير بان على الوفاء بذلك أشبه الكلام الهزليّ فأطلق عليه الهزل ولعلّ قوله ع في رواية الحارث ولا يعدن أحدكم صبيّه ثم لا يفي له بعد قوله لا يصلح من الكذب جدّ وهزل قرينة على ما قلناه وعلى كلّ حال لا ينبغي الإشكال في جواز الكذب في مقام المزاح لا سيّما مع قيام القرينة على المزاح فإنّ ذلك ليس من موضوع الكذب ولو فرض أنّه من موضوعه فالأخبار منصرفة عنه وقد عرفت المناقشة في دلالة الرّوايتين على المنع الإلزاميّ أوّلا وعرفت المناقشة في دلالتهما على المنع عن الهزل بالمعنى المبحوث عنه أخيرا قوله قدس سره وهو الكلام الفاقد للقصد يعني قصد الحكاية والأخبار وقصد كشف الواقع للمخاطب لا الفاقد للقصد بالمرّة حتّى القصد الاستعمالي للألفاظ في المعاني ككلام النّائم والسّكران قوله قدس سره مع نصب القرينة بل مطلقا بناء على مذاقه في التّورية أنّها ليست بكذب وقد قوينا سابقا أنّ الكذب يحصل بعدم مطابقة المراد للواقع لا بعدم مطابقة الظهور له نعم مع نصب القرينة يخرج عن الكذب حتى على مذاق من يرى ضابط الصّدق والكذب مطابقة الظهور ولا مطابقته فإنّ الظَّهور بعد قيام القرينة على المزاح يقتضي عدم تحقّق مضمون الجملة حتى لو كان متحقّقا كان كذبا قوله قدس سره وعن الخصال الكلام في هاتين الرّوايتين وعدم دلالتهما على الحكم الإلزاميّ هو الكلام في الرّوايتين المتقدّمتين قوله قدس سره ثم إنه لا ينبغي الإشكال نعم لا ينبغي الإشكال في كلّ ما أريد خلاف الظَّاهر مع نصب القرينة فإنّ الظَّهور حينئذ ينقلب إلى ظهور ثانويّ والمعيار في الصّدق والكذب على مطابقة هذا الظهور للواقع ولا مطابقته فلو لم يطابق هذا الظهور كان كذبا وإن طابق الظَّهور الأوّل وبالعكس العكس فلو قال زيد مهزول الفصيل وفصيله مهزول كان كذبا إذا لم يكن جواد أو إذا كان جوادا فهو صدق وإن لم يكن فصيله مهزولا أو لم يكن له فصيل هذا بناء على أنّ المدار في الصدق والكذب على مطابقة الظهور ولا مطابقته وإلَّا لم يحتج إلى نصب القرينة وكفى عدم كون الظَّاهر هو المراد في الخروج عن الكذب كما هو مذاق المصنّف أيضا في التورية من أنّها ليست بكذب قوله قدس سره إلَّا إذا بني على كونه كذلك هذه حيثيّة أخرى أجنبيّة عمّا هو محلّ الكلام فعلا وحاصله يرجع إلى اعتبار مطابقة الاعتقاد ولا مطابقته في ضابط الصدق والكذب قوله قدس سره فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب نعم لا إشكال في عدم كونها من الكذب فيما كان من قبيل المثالين الأوّلين يعني أريد معنى من اللَّفظ والمخاطب فهم منه معنى آخر أو كانت نسبة اللَّفظ إليهما نسبة واحدة غير ظاهر في أحد المعنيين فإنه ليس على المتكلَّم رفع توهّمات المخاطب واشتباهاته الَّتي لم يلقه هو فيها إلَّا أن يقال إن ذكر اللَّفظ في مقام يوقع المخاطب في الاشتباه وخلاف الواقع كذب أو أنّه مشتمل على مناط حرمة الكذب وأمّا ما كان من قبيل المثال الثالث يعني كان للفظ ظهور وظهوره مخالف للواقع لكن المراد منه كان مطابقا للواقع ولم ينصب قرينة على المراد فعدم كونه من الكذب مبنيّ على كون المعيار في الصدق والكذب هو مطابقة المراد للواقع ولا مطابقته لا مطابقة الظهور ولا مطابقته وإلَّا كان كذبا وقد تقدّم استظهار الأوّل وهو المطابق للأخبار النّافية للكذب عن التورية ولو فرض الشّك فالمتيقّن من موضوع الحرمة هو ما كان المراد والظَّهور جميعا غير مطابقين للواقع فيبقى غير المطابق فيه أحدهما خاصّة تحت أصالة الحلّ قوله قدس سره ألا ترى أنهم قالوا نفقد صواع ينبغي أن يكون المراد من فقدان الصّواع عدم وجدانه في محلَّه لا الفقدان الحقيقيّ وإلَّا كان نفس هذا الكلام كاذبا لعدم فقدهم له وعلمهم بمكانه وأنه في رحل بنيامين ومجرّد عدم معرفة موضع الرّحل لا يوجب صدق الفقدان فلو كانت لك وديعة عند زيد لا تعلم أنّه وضعها في أيّ بيت من بيوته هل يقال إنّك فقدتها قوله قدس سره إنّما عنى سقيما في دينه ولو سقما إضافيّا وبالنّسبة إلى مرتبة أكمل منه كما يشير إلى ذلك قوله تعالى * ( أَ ولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) * قوله قدس سره قال له صدقت يعني صدقا مخبريّا حاصلا بمطابقة مضمون الجملة للواقع لا خبريا لعدم قصد المتكلَّم إلَّا الإخوّة النّسبيّة وكان حلفه أيضا على ذلك بتوهّم أنه في مقام الضّرورة أو كان ذلك منه تجريا وعليه فالرّواية تكون أجنبيّة عن المقصد من إثبات الصّدق الخبريّ إلَّا أن تكون الرّواية دالَّة على تحقّق الصّدق الخبري حتّى لو قصد الأخوّة الدينيّة وفيه نظر قوله قدس سره قال اللَّه تعالى * ( إِلَّا مَنْ أُكْرِه ) * الظَّاهر أنّ الإكراه في الآية على إنشاء التبري والارتداد فلا ربط له بمقامنا من الإكراه على الكذب إلَّا أن يستفاد منها المناط أو الفحوى أو يقال إنّ إظهار التبري والارتداد مع سلامة الاعتقاد لا ينفكّ عن الكذب والأخبار عن عدم الاعتقاد وهو معتقد قوله قدس سره وقال تعالى * ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ ) * ربط الآية بالمقام لعلَّه من جهة أن اتّخاذهم أولياء تقيّة كذب فعليّ سوّغته التقيّة فإنّه بفعله يظهر الموالاة وهو ليس بموال لهم والكذب لا فرق في حرمته بين أن يكون قوليّا أو فعليّا أو لعل طرح المودّة لا يخلو عادة عن إظهار المحبّة باللَّسان فكان كذبا سوّغته الآية لأجل التقيّة قوله قدس سره والعقل مستقلّ بوجوب قد عرفت أنّه لو بني على الرّجوع إلى العقل وملاحظة الترجيحات وموازنة المناطات أشكل الأمر في كثير من الصّور لعدم الإحاطة بالمناطات حتى يعلم الراجح منهما من المرجوح والقويّ من الضّعيف نعم لا بأس بذلك في الموارد المتيقّنة كالكذب لحفظ النفس من الهلكة قوله قدس سره ظاهر المشهور هو الأوّل ليس فيما نقله المصنّف من العبارات دلالة على وجوب التّورية إذا أكره على الكذب تخلَّصا عنه فلعلّ التّورية الَّتي ذكروها في موارد الإكراه على الحلف لأجل التخلَّص عن الحلف كاذبا وكانت حرمة الحلف كاذبا لا ترتفع بمجرّد الإكراه ما كان إلى التخلَّص سبيل ولو بالتّورية بخلاف حرمة الكذب وأنّها كانت ترتفع عندهم بمجرّد الإكراه وإن أمكن التخلَّص عنه بالتّورية لكن رفع الحرمة إن كان بعنوان الإكراه أمكن أن يقال إنّ عنوان الإكراه لا يتحقق مهما أمكنت التّورية بسهولة نعم لو كانت التّورية في تلك الحال لما تعرض من الدّهشة محتاجة إلى فكر وتأمّل فينتقل المكره بحقيقة الحال وأنّه أراد التخلَّص بالتورية دخل في موضوع عدم إمكان التّورية وتحقّق الإكراه على الكذب بالتوعيد عليه هذا ولكن يمكن أن يقال إنّ التخلَّص عن الكذب لا يتوقّف على التورية حتى يقال كثيرا ما لا يتمكَّن من التورية في تلك الحال لدهشة تعتري الشخص أو لعدم الاستحضار لكيفيّة التّورية واحتياجها إلى التأمّل الموجب لانتقال المكره بالكسر إلى الطلب بل يمكن إلقاء الألفاظ وذكرها بلا قصد معنى من المعاني كالألفاظ الصادرة من النائم والسّكران ومجرّد خطور المعنى بالبال عند ذكر اللَّفظ ليس قصدا للمعنى ومعلوم أن إلقاء الألفاظ قوالب صرفة خليّة عن قصد شيء من المعاني بمكان من السّهولة ولكن الحقّ مع ذلك جواز الكذب وقصد المعنى الغير المطابق للواقع وإن أمكن التخلَّص بما ذكرناه أو بالتّورية