الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
41
حاشية المكاسب
وذلك لأنّ الإكراه في الإكراه على الكذب وإن كان متعلَّقا بألفاظ الكذب لا بقصد معناه الَّذي هو ليس تحت إحاطة المكره بالكسر لكن هذا كاف في رفع حكم الكذب وجواز قصد مدلول اللَّفظ وذلك لأنّ الإكراه على تمام ما هو موضوع التّحريم كما يرفع التحريم كذلك الإكراه على جزء الموضوع والألفاظ في الكذب جزء من موضوع الكذب بل عمدته ولو لاه لم يتحقّق الكذب بمجرّد القصد فإذا أكره الشخص على اللَّفظ أوجب إكراهه ذلك ارتفاع الحكم التّحريمي التبعيّ الضّمني عن ذلك اللَّفظ والمفروض أنّ مجرّد القصد للمعنى أيضا ليس بحرام فلا بأس له أن يقصد المعنى وكان قصده ذلك كالقصد للمعنى بلا ذكر للَّفظ وعلى ما ذكرناه فدليل رفع الاضطرار ورفع الإكراه والأخبار الخاصّة الواردة في جواز الحلف كاذبا عند الضرورة كلَّها متطابقة المؤدّي متّفقة الدلالة على جواز الكذب مع إمكان التّورية قوله قدس سره مع أنّ قبح الكذب عقليّ هذا الوجه ضعيف فإنّه لو صدق الإكراه على الكذب مع القدرة على التفصي بالتّورية أو بذكر الألفاظ بلا قصد للمعنى شمله حديث رفع الإكراه ولم يبق لهذا الوجه مجال ولو لم يصدق الإكراه فلم يشمل حديث رفع الإكراه كانت إطلاقات حرمة الكذب محكمة بلا حاجة إلى هذا الوجه مع ما عرفت سابقا من منع حكم العقل بقبح الكذب بما هو كذب وإنّما يحكم بقبحه بما أنه موجب للفساد فيكون حكم العقل تابعا لترتّب المفسدة عليه وهو كثيرا مّا لا يكون وفيما كان لم يكن فرق بين أن يورّي أو لا يورّي فصحّ أن يقال إن حكم العقل بقبح الكذب يعمّ التّورية ومناط حكمه هو إلقاء الظَّهور على خلاف الواقع سواء قصد المعنى الظَّاهر أو لم يقصد قوله قدس سره المستلزم للمنع مع عدمه لا مفهوم لحديث رفع الاضطرار بل لا يشتمل إلَّا على عقد سلبيّ ولا تعرّض للعقد الإثباتي وهو عدم الارتفاع مع عدم الاضطرار كي يعارض مفهومه هذه الأخبار بالعموم من وجه فهذه الأخبار لا معارض لها يقتضي تقييدها لولا استبعاد التّقييد سوى مطلقات حرمة الكذب فإنّ النسبة بينهما عموم من وجه وبعد استبعاد التقييد فيها يتعيّن التقييد في الإطلاقات بل ولولا استبعاد التقييد فيها كان مقتضى القاعدة جواز الكذب لأنّ الإطلاقين متعارضان بالعموم من وجه والمرجع أصالة الحلّ وممّا ذكرنا يظهر أنّ الإشكال فيما ذكره المصنف من وجهين الأوّل جعل دليل نفي الاضطرار معارضا لهذه الأخبار بالعموم من وجه مع أنه لا مفهوم لها كي يعارضها الثاني جعل المرجع إطلاقات حرمة الكذب مع أنّ هذه الإطلاقات معارضة لها بالعموم من وجه فإمّا يتعيّن تقييد الإطلاقات لاستبعاد التقييد في هذه الأخبار أو بعد التعارض والتّساقط يرجع إلى أصالة الإباحة ولعلّ أمره بالتّأمل يشير إلى الوجهين قوله قدس سره لأنّ مورد الأخبار عدم الالتفات قد عرفت أنّ التفصّي لا ينحصر بالتّورية ليمتنع التفصي مع عدم الالتفات إلى التّورية بل يحصل التفصي بذكر اللَّفظ غير قاصد للمعنى كما في النّائم والسّكران وهذا في غاية السّهولة لا يحتاج إلى مئونة نعم المعنى يخطر بالبال عند ذكر اللَّفظ لكن ذلك غير قصد المعنى من اللَّفظ والمحرّم هو هذا دون ذاك قوله قدس سره ويمكن أن يفرّق بين المقامين فيه أوّلا أنّ هذا الفرق مبني على عدم شمول دليل نفي الإكراه للكذب إذا أكره عليه ويختصّ دليل نفي الاضطرار بالشمول له وإلَّا يأتي فيه ما ذكره هنا حرفا بحرف من عدم اعتبار العجز عن التفصي في تحقّق موضوع الإكراه وثانيا أنّ تعلَّق الإكراه بالبيع والطَّلاق الحقيقيّين ممنوع ولا ينبغي أن يغترّ بقول المكره بع أو طلَّق وإلَّا قتلتك فإنّ هذا التّعبير لا يوجب الحمل إلَّا على ما للمكره الإحاطة به وله طريق إلى معرفة تحقّقه وهو ليس إلَّا الألفاظ دون الأمور القلبيّة والقصود وثالثا نمنع عدم اعتبار العجز عن التفصي في تحقّق موضوع الإكراه مطلقا وإنّما المسلَّم عدم اعتباره إذا كان التفصي شاقّا معدودا ممّا حصل منه عجز عرفيّ دون ما إذا كان في غاية السّهولة كذكر الألفاظ خالية عن قصد شيء من المعنى أو التّورية إن أمكنت بسهولة فإنّه لا يتحقق الإكراه حينئذ على الكذب هذا ولكنّ الحقّ عدم اعتبار العجز عن التفصي مطابق ما أفتوا به هنا فلو كذب مع التمكَّن من التورية أو ذكر الألفاظ بلا قصد للمعنى لم يفعل محرّما وكذا لو باع أو طلَّق قاصدا للمعنى مع التمكَّن من التفصي لم يؤثّر في النقل وانقطاع علقة الزّوجيّة وقد تقدّم بيان ذلك عن قريب وحاصل تقريبه بما يوافق المقام أنّ آثار المعاملات والإيقاعات مترتّبة على إنشاءاتها قاصدا منها معانيها لا على مجرّد ألفاظها أو مجرّد قصد معانيها فكما أنّ هذا المجموع لو فرض تعلَّق الإكراه به ارتفع أثره بحديث رفع الإكراه كذلك لو تعلَّق الإكراه بجزء من أجزائه فإنه يخرجه عن الجزئيّة للسّبب المؤثّر فلا يجدي حينئذ ضمّ الجزء الآخر إليه في حصول الأثر قوله قدس سره ويحمل عليه قول أمير المؤمنين ع حمل كلامه ع على الضّرر الماليّ ثمّ الاستدلال به على إثبات الحكم الاستحبابي مشكل قوله قدس سره تعيّن الثاني هذا إذا علم بالاستحباب بدليل خارج وإلَّا فلعلَّه لا استحباب واقعا فكيف يحمل هذا على الاستحباب ثم يستدلّ به على إثبات الحكم الاستحبابي إن قيل عدم ثبوت الوجوب يعيّن حمل اللَّفظ على معناه المجازي وهو الاستحباب قلنا هذا إذا ثبت الصرف وعدم إرادة المعنى الحقيقي فيحمل اللَّفظ على المعنى المجازي وأما إذا احتمل إرادة المعنى الحقيقي ولو تقيّة فالصّرف غير ثابت حتّى يحمل على أقرب المجازات من المعنى الحقيقيّ إلَّا أن يقال إنّ الحمل على التقيّة والتّصرف في جهة الصّدور لا يرتكبه العقلاء ما أمكن التّصرف في دلالة اللَّفظ بالحمل على المجاز قوله قدس سره من مسوّغات الكذب إرادة الإصلاح ظاهر إخباره أنّ ذلك من جزئيّات الكذب لمصلحة بلا دخل لعنوان الإصلاح كما يشهد له خبر عيسى بن حنان ورواية الصدوق ثم إنّ الكذب لأجل تحبيب غير المتحابين ليس كذبا في مقام الإصلاح فإنّ ظاهر الكذب لأجل الإصلاح هو ما كان لأجل رفع التّباغض فيحتاج إلى السّبق بالتّباغض لا مجرّد عدم التّحابب فيكذب للتّحبيب ويكفي في حصول مفهوم الإصلاح البغض من جانب واحد ولعلّ مورد مرسلة الواسطي ذلك فإنّ الرّجل الَّذي بلغه الكلام فأخبت نفسه هو الذي أبغض صاحبه وأمّا صاحب الكلام فلا يستلزم كلامه بغض صاحبه فلعلّ كلامه كان من قبيل نفي الاجتهاد أو نفي العدالة ممّا لا يكون عن منشإ البغض قوله قدس سره تسمع من الرّجل كلاما يبلغه يعني تسمع من الرّجل الَّذي بلغه الكلام فأجبته حكاية ذلك الكلام من باب الشكوى عن صاحبه فتكذب أنت رفعا لإخباته نفسه وتحكي عنه خلاف ذلك ممّا يرضيه قوله قدس سره اللَّهو حرام على ما يظهر ليس في شيء ممّا نقله من العبائر دلالة على حرمة اللهو بقول مطلق عدا عبارة المعتبر وإنّما غاية مداليلها حرمة الصيد لهوا واللَّعب لهوا وكون ذلك بمناط اللَّهو غير ثابت ثم على تقدير الدلالة أيّ جدوى فيها بعد عدم حصول الإجماع على ذلك ولعلّ غرض المصنّف من نقلها إبطال ما ادّعي من الإجماع على عدم الحرمة وكذا الأخبار لا دلالة فيها وسنبيّنه قوله قدس سره فإذا ثبت القبح ثبت النّهي لكن القبح الثّابت أعمّ ممّا يقتضي النّهي التّحريمي والنّهي التّنزيهي وسيجئ من المصنّف نفي وجدان الفتوى بحرمة اللَّعب ممّا عدا الحليّ قوله قدس سره وللأخبار الظاهرة في حرمة اللَّهو لا ظهور في الأخبار في حرمة اللَّهو بقول مطلق أمّا الرّواية الأولى فالصّغرى فيها ممنوعة أعني كون مطلق اللَّهو ممّا يجيء منه الفساد محضا وأمّا الثانية فهي أولى بالتّمسك بها للجواز فإنّ ظاهر تقييد الملاهي بالَّتي تصدّ عن ذكر اللَّه هو الاحتراز والظَّاهر أنّ المراد من الصدّ حصول حالة الاحتجاب للنّفس من أثر تلك الملاهي فإنّ لأنواع المعاصي آثارا خاصّة كما أشير إليه في صدر دعاء كميل لا الاشتغال الفعليّ عن ذكره فإنّ ذلك حاصل عند كل فعل ولو كان مباحا