ابن حبان

93

المجروحين

الجنس الرابع : الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه ، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره ، لان الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون ، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة ، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها ، وما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن ، ويحفظ الصحاح بألفاظها ، ويقوم بزيادة كل لفظة تزاد في الخبر ثقة ، حتى كأن السنن كلها نصب ( 1 ) عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة - رحمة الله عليه - فقط ( 2 ) . فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقها وحدث من حفظه ، فربما قلب المتن ، وغير المعنى ، حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه ، ويقلب إلى شئ ليس منه ، وهو لا يعلم ، فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته ، إلا أن يحدث من كتاب ، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الاخبار . الجنس الخامس : الفقيه إذا حدث من حفظه ، وهو ثقة في روايته ، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره ، لأنه إذا حدث من حفظه ، فالغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد ، وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من أهل الفقه ، كانوا إذا حفظوا الخبر لا يحفظون إلا متنه ، وإذا ذكروا أول أسانيدهم يكون ( 3 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يذكرون بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحدا . فإذا حدث الفقيه ( 4 ) من حفظه فربما صحف الأسماء ، وأقلب الأسانيد ، ورفع الموقوف ، وأوقف المرسل ، وهو لا يعلم لقلة عنايته به ، وأتى بالمتن على وجهه ، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب ، أو يوافق الثقات في

--> ( 1 ) في الهندية : " تصف " بدل " نصب " ( 2 ) توفى ابن خزيمة عام 311 ه‍ وهو في تسع وثمانين سنة ونقل الذهبي في التذكرة عبارة أبى أتم هذه فقال : " ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادات حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحاق ابن خزيمة فقط " التذكرة 261 / 1 ( 3 ) في الهندية : * إذا ذكروا أول أسانيدهم يكون " ( 4 ) في الهندية : " الثقة " بدل " الفقيه " .