ابن تيمية
174
مجموعة الفتاوى
وَأَمَّا إنْكَارُ بَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا مِن الأَسْبَابِ فَهُوَ أَيْضاً قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ ؛ وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ مِن الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا ؛ فَإِنَّ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ تَعَوَّذِي بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا فَهَذَا الْغَاسِقُ إذَا وَقَبَ } " وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ حَيْثُ أَخْبَرَ " { أَنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ } " وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ } " أَيْ لَا يَكُونُ الْكُسُوفُ مُعَلَّلاً بِالْمَوْتِ فَهُوَ نَفْيُ الْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِن الأَنْصَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ رُمِيَ بِنَجْمِ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ : " { مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَقَالُوا : كُنَّا نَقُولُ : وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ أَوْ مَاتَ عَظِيمٌ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى بِالْأَمْرِ سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ } " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مُسْتَرِقِ السَّمْعِ . فَنَفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ بِهَا لِأَجْلِ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ عَظِيمٌ أَوْ مَاتَ عَظِيمٌ ؛ بَلْ لِأَجْلِ الشَّيَاطِينِ الْمُسْتَرِقِينَ السَّمْعَ . فَفِي كِلَا الْحَدِيثَيْنِ مِنْ أَنَّ مَوْتَ النَّاسِ وَحَيَاتَهُمْ لَا يَكُونُ سَبَباً لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَلَا الرَّمْيَ بِالنَّجْمِ ؛ وَإِنْ كَانَ مَوْتُ بَعْضِ النَّاسِ قَدْ يَقْتَضِي حُدُوثَ أَمْرٍ فِي السَّمَوَاتِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ " { إنَّ الْعَرْشَ عَرْشَ الرَّحْمَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدِ