ابن تيمية
175
مجموعة الفتاوى
بْنِ مُعَاذٍ } " وَأَمَّا كَوْنُ الْكُسُوفِ أَوْ غَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ سَبَباً لِحَادِثِ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَذَابٍ يَقْتَضِي مَوْتاً أَوْ غَيْرِهِ : فَهَذَا قَدْ أَثْبَتَهُ الْحَدِيثُ نَفْسُهُ . وَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُنَافَى لِكَوْنِ الْكُسُوفِ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ يَكُونُ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ كُسُوفُ الشَّمْسِ إلَّا فِي آخِرِ الشَّهْرِ لَيْلَةَ السِّرَارِ وَلَا يَكُونُ خُسُوفُ الْقَمَرِ إلَّا فِي وَسَطِ الشَّهْرِ وَلَيَالِي الْإِبْدَارِ . وَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ مِن المُتَفَقِّهَةِ أَوْ الْعَامَّةِ فَلِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحِسَابِ وَلِهَذَا يُمْكِنُ الْمَعْرِفَةُ بِمَا مَضَى مِن الكُسُوفِ وَمَا يَسْتَقْبِلُ كَمَا يُمْكِنُ الْمَعْرِفَةُ بِمَا مَضَى مِن الأَهِلَّةِ وَمَا يَسْتَقْبِلُ إذْ كُلُّ ذَلِكَ بِحِسَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً } وَقَالَ تَعَالَى : { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } وَقَالَ : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } . وَمِنْ هُنَا صَارَ بَعْضُ الْعَامَّةِ إذَا رَأَى الْمُنَجِّمَ قَدْ أَصَابَ فِي خَبَرِهِ عَنْ الْكُسُوفِ الْمُسْتَقْبَلِ يَظُنُّ أَنَّ خَبَرَهُ عَنْ الْحَوَادِثِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ ؛ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ إذْ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ إخْبَارِهِ بِأَنَّ الْهِلَالَ يَطْلُعُ : إمَّا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ وَإِمَّا لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ لَا يُخْرَمُ أَبَداً ؛ وَبِمَنْزِلَةِ خَبَرِهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ آخِرَ النَّهَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . فَمَنْ عَرَفَ مَنْزِلَةَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَجَارِيَهُمَا عَلِمَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِلْماً قَلِيلَ الْمَنْفَعَةِ .