ابن تيمية
80
مجموعة الفتاوى
بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُثْمِراً بِعَمَلِ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ وَلِهَذَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ ضَمَاناً إذْ لَيْسَ هُوَ بَيْعاً مَحْضاً وَلَا إجَارَةً مَحْضَةً فَسُمِّيَ بِاسْمِ الِالْتِزَامِ الْعَامِّ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ الضَّمَانُ كَمَا يُسَمِّي الْفُقَهَاءُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ . وَكَذَلِكَ يُسَمَّى الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ضَمَاناً أَيْضاً لَكِنَّ ذَاكَ يُسَمَّى إجَارَةً . وَهَذَا إذَا سُمِّيَ إجَارَةً أَوْ اكْتِرَاءً : فَلِأَنَّ بَعْضَهُ إجَارَةٌ أَوْ اكْتِرَاءٌ وَفِيهِ بَيْعٌ أَيْضاً . فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً أَصْلاً وَإِنَّمَا جَاءَتْ لِأَجْلِ جُذَاذِ الثَّمَرَةِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ عِنَباً أَوْ بَلَحاً وَيُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ فِي الْحَدِيقَةِ لِقِطَافِهِ : فَهَذَا لَا يَجُوزُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ إنَّمَا قُصِدَتْ هُنَا لِأَجْلِ الثَّمَرِ فَلَا يَكُونُ الثَّمَرُ تَابِعاً لَهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجَارَتِهَا إلَّا إذَا جَازَ بَيْعُ الثَّمَرِ ؛ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ؛ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ إذَا كَانَتْ مَقْصُودَةً احْتَاجَ إلَى اسْتِئْجَارِهَا وَاحْتَاجَ مَعَ ذَلِكَ إلَى اشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَاحْتَاجَ إلَى الْجَمْعِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يُمْكِنُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ الْمَكَانَ لِلسُّكْنَى أَنْ يَدَعَ غَيْرَهُ يَشْتَرِي الثَّمَرَةَ ؛ وَلَا يَتِمُّ غَرَضُهُ مِن الانْتِفَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَرَةٌ يَأْكُلُهَا ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَهُ الِانْتِفَاعُ بِالسُّكْنَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالْأَكْلِ مِن الثَّمَرِ الَّذِي فِيهِ . وَلِهَذَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ هُوَ السُّكْنَى وَإِنَّمَا الشَّجَرُ قَلِيلٌ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ نَخَلَاتٌ أَوْ عَرِيشُ عِنَبٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَالْجَوَازُ هُنَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقِيَاسُ أَكْثَرِ نُصُوصِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ .