ابن تيمية

81

مجموعة الفتاوى

وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مَعَ السُّكْنَى التِّجَارَةَ فِي الثَّمَرِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ السُّكْنَى : فَالْمَنْعُ هُنَا أَوْجَهُ مِنْهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَالِكٌ وَأَحْمَد . وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ السُّكْنَى وَالْأَكْلَ : فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا لَوْ قَصَدَ السُّكْنَى وَالشُّرْبَ مِن البِئْرِ . وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الْمَأْكُولِ أَكْثَرَ : فَهُنَا الْجَوَازُ فِيهِ أَظْهَرُ مِن التِي قَبْلَهَا وَدُونَ الْأُولَى عَلَى قَوْلِ مَنْ يُفَرِّقُ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ الْمَأْثُورِ عَنْ السَّلَفِ : فَالْجَمِيعُ جَائِزٌ كَمَا قَرَّرْنَاهُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ . فَإِنْ اشْتَرَطَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَحْرُثَ لَهُ الْمُضَمَّنُ مقثاة : فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضاً مِنْ رَجُلٍ لِلزَّرْعِ عَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا الْمُؤَجِّرُ . فَقَدْ اسْتَأْجَرَ أَرْضَهُ وَاسْتَأْجَرَ مِنْهُ عَمَلاً فِي الذِّمَّةِ . وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا لَوْ اسْتَكْرَى مِنْهُ جَمَلاً أَوْ حِمَاراً عَلَى أَنْ يَحْمِلَ الْمُؤَجِّرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ . وَهَذِهِ إجَارَةُ عَيْنٍ وَإِجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ ؛ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيَكُونُ قَدْ اسْتَأْجَرَ عَيْنَيْنِ . وَلَوْ لَمْ تَكُنْ السُّكْنَى مَقْصُودَةً وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ ابْتِيَاعُ ثَمَرَةٍ فِي بُسْتَانٍ ذِي أَجْنَاسٍ وَالسَّقْيُ عَلَى الْبَائِعِ : فَهَذَا عِنْدَ اللَّيْثِ يَجُوزُ وَهُوَ قِيَاسُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقَرَّرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ كَالْحَاجَةِ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَرُبَّمَا كَانَ أَشَدَّ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُ بَيْعُ كُلِّ جِنْسٍ عِنْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، فَإِنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِن الأَوْقَاتِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ وَفِي بَعْضِهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِضَرَرِ كَثِيرٍ .