ابن تيمية

6

مجموعة الفتاوى

وَقَدْ يَسْتَثْنُونَ مَوَاضِعَ دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى جَوَازِهَا إذَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا كَمَا فِي الْهَدْيِ إذَا عَطَبَ دُونَ مَحَلِّهِ فَإِنَّهُ يُنْحَرُ ثُمَّ يُضَمَّخُ نَعْلُهُ الْمُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ بِدَمِهِ عَلَامَةً لِلنَّاسِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ مَلَكَهُ وَكَذَلِكَ الْهَدِيَّةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . لَكِنْ الْأَصْلُ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّفْظُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ هُوَ التَّرَاضِي الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } وَقَوْلُهُ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً } وَالْمَعَانِي الَّتِي فِي النَّفْسِ لَا تَنْضَبِطُ إلَّا بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي قَدْ جُعِلَتْ لِإِبَانَةِ مَا فِي الْقَلْبِ إذْ الْأَفْعَالُ مِن المُعَاطَاةِ وَنَحْوِهَا تَحْتَمِلُ وُجُوهاً كَثِيرَةً ؛ وَلِأَنَّ الْعُقُودَ مِنْ جِنْسِ الْأَقْوَالِ فَهِيَ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ . الْقَوْلُ الثَّانِي : إنَّهَا تَصِحُّ بِالْأَفْعَالِ فِيمَا كَثُرَ عَقْدُهُ بِالْأَفْعَالِ كَالْمَبِيعَاتِ بِالْمُعَاطَاةِ وَكَالْوَقْفِ فِي مِثْلِ مَنْ بَنَى مَسْجِداً وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ سَبَّلَ أَرْضاً لِلدَّفْنِ فِيهَا أَوْ بَنَى مَطْهَرَةً وَسَبَّلَهَا لِلنَّاسِ وَكَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ : كَمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى غَسَّالٍ أَوْ خَيَّاطٍ يَعْمَلُ بِالْأُجْرَةِ أَوْ رَكِبَ سَفِينَةَ مَلَّاحٍ وَكَالْهَدِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِالْأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا لَفَسَدَتْ أُمُورُ النَّاسِ ؛ وَلِأَنَّ النَّاسَ مِنْ لَدُنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى يَوْمِنَا مَا زَالُوا يَتَعَاقَدُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِلَا لَفْظٍ ؛ بَلْ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أُصُولِ