ابن تيمية

112

مجموعة الفتاوى

لِبَعْضِ النُّصُوصِ تُوهِمُهُ تَرْكَ الْعَمَلِ ؛ إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ طَائِفَتِهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهَا إجْمَاعٌ ؛ وَالْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلاً عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ إجْمَاعٌ عَلَى تَرْكِ نَصٍّ إلَّا وَقَدْ عُرِفَ النَّصُّ النَّاسِخُ لَهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي نَسْخَ النُّصُوصِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِن الإِجْمَاعِ إذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ صَحِيحاً ؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ نِزَاعاً ثُمَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ أَصْحَابِهِ وَلَكِنْ هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَعْرِفْ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ . وَأَيْضاً فَإِنَّ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : عِبَادَاتٌ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ . وَعُقُوبَاتٌ إمَّا مُقَدَّرَةٌ وَإِمَّا مُفَوَّضَةٌ وَكَفَّارَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِ الْوَاجِبَاتِ يَنْقَسِمُ إلَى : بَدَنِيٍّ . وَإِلَى مَالِيٍّ . وَإِلَى مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا . فَالْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ : كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ . وَالْمَالِيَّةُ : كَالزَّكَاةِ . وَالْمُرَكَّبَةُ : كَالْحَجِّ . وَالْكَفَّارَاتُ الْمَالِيَّةُ : كَالْإِطْعَامِ . وَالْبَدَنِيَّةُ : كَالصِّيَامِ . وَالْمُرَكَّبَةُ : كَالْهَدْيِ بِذَبْحِ . وَالْعُقُوبَاتُ الْبَدَنِيَّةُ : كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ . وَالْمَالِيَّةُ : كَإِتْلَافِ أَوْعِيَةِ الْخَمْرِ .