ابن تيمية
113
مجموعة الفتاوى
وَالْمُرَكَّبَةُ : كَجَلْدِ السَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَتَضْعِيفِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ وَكَقَتْلِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ . وَكَمَا أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ جَزَاءً عَلَى مَا مَضَى كَقَطْعِ السَّارِقِ ؛ وَتَارَةً تَكُونُ دَفْعاً عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ كَقَتْلِ الْقَاتِلِ : فَكَذَلِكَ الْمَالِيَّةُ ؛ فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ ؛ وَهِيَ تَنْقَسِمُ كَالْبَدَنِيَّةِ إلَى إتْلَافٍ ؛ وَإِلَى تَغْيِيرٍ ؛ وَإِلَى تَمْلِيكِ الْغَيْرِ . فَالْأَوَّلُ الْمُنْكَرَاتُ مِن الأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ يَجُوزُ إتْلَافُ مَحَلِّهَا تَبَعاً لَهَا ؛ مِثْلَ الْأَصْنَامِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؛ لَمَّا كَانَتْ صُوَرُهَا مُنْكَرَةً جَازَ إتْلَافُ مَادَّتِهَا ؛ فَإِذَا كَانَتْ حَجَراً أَوْ خَشَباً وَنَحْوَ ذَلِكَ جَازَ تَكْسِيرُهَا وَتَحْرِيقُهَا . وَكَذَلِكَ آلَاتُ الْمَلَاهِي مِثْلَ الطُّنْبُورِ يَجُوزُ إتْلَافُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد . وَمِثْلَ ذَلِكَ أَوْعِيَةُ الْخَمْرِ ؛ يَجُوزُ تَكْسِيرُهَا وَتَخْرِيقُهَا ؛ وَالْحَانُوتُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ . وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِن المَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَاتَّبَعُوا مَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ حَانُوتٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ لِرُوَيْشِدِ الثَّقَفِيِّ ؛ وَقَالَ : إنَّمَا أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَا رُوَيْشِدٌ . وَكَذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَرْيَةٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَانَ الْبَيْعِ مِثْلُ الْأَوْعِيَةِ . وَهَذَا أَيْضاً عَلَى الْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا .