ابن تيمية

133

مجموعة الفتاوى

بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِن المُتَفَقِّهَةِ الحادثين بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ جَازَ لِلْحَاسِبِ أَنْ يَعْمَلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِالْحِسَابِ فَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ دَلَّ عَلَى الرُّؤْيَةِ صَامَ وَإِلَّا فَلَا . وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّداً بِالْإِغْمَامِ وَمُخْتَصّاً بِالْحَاسِبِ فَهُوَ شَاذٌّ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ . فَأَمَّا اتِّبَاعُ ذَلِكَ فِي الصَّحْوِ أَوْ تَعْلِيقُ عُمُومِ الْحُكْمِ الْعَامِّ بِهِ فَمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ . وَقَدْ يُقَارِبُ هَذَا قَوْلَ مَنْ يَقُولُ مِن الإِسْمَاعِيلِيَّة بِالْعَدَدِ دُونَ الْهِلَالِ وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ جَدْوَلاً يُعْمَلُ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي افْتَرَاهُ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ خَارِجَةٌ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ مِنْهَا جَعْفَراً وَغَيْرَهُ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَحَداً لَا يُمْكِنُهُ مَعَ ظُهُورِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُظْهِرَ الِاسْتِنَادَ إلَى ذَلِكَ . إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ عُمْدَةٌ فِي الْبَاطِنِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ فِي كَوْنِ الشَّرِيعَةِ لَمْ تُعَلِّقْ الْحُكْمَ بِهِ . وَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أُبَيِّنُ ذَلِكَ وَأُوَضِّحُ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ : دَلِيلاً وَتَعْلِيلاً شَرْعاً وَعَقْلاً . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } فَأَخْبَرَ أَنَّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ وَخَصَّ الْحَجَّ بِالذِّكْرِ تَمْيِيزاً لَهُ ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ شُهُورِ الْحَوْلِ . فَيَكُونُ عَلَماً عَلَى الْحَوْلِ كَمَا أَنَّ الْهِلَالَ