ابن تيمية

87

مجموعة الفتاوى

وَقَدْ تُخْرَقُ لَهُ الْعَادَةُ فَيَرَى مَنْ خَلْفَهُ . كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي } وَفِي رِوَايَةٍ { مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي } وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ { إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي } وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { إنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ } . لَكِنْ هُمْ بِجِهَةِ مِنْهُ وَهُمْ خَلْفَهُ . فَكَيْفَ تُقَاسُ رُؤْيَةُ الرَّائِي لِغَيْرِهِ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِنَفْسِهِ ؟ ثُمَّ تَشْبِيهُ رُؤْيَتِهِ هُوَ بِرُؤْيَتِنَا نَحْنُ تَشْبِيهٌ بَاطِلٌ . فَإِنَّ بَصَرَهُ يُحِيطُ بِمَا رَآهُ بِخِلَافِ أَبْصَارِنَا . وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَثْبَتُوا مَا لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَأَحَبُّوا نَصْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْحَدِيثِ فَجَمَعُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ . فَإِنَّ مَا لَا يَكُونُ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا يُشَارُ إلَيْهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَى بِالْعَيْنِ لَوْ كَانَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ مُمْكِناً فَكَيْفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ؟ وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ الْبَاطِلِ . وَلِهَذَا فَسَّرُوا " الْإِدْرَاكَ " بِالرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } كَمَا فَسَّرَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ . لَكِنْ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ فَلَا يُرَى بِحَالِ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ . وَالْآيَةُ تَنْفِي الْإِدْرَاكَ مُطْلَقاً دُونَ الرُّؤْيَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ كِلَابٍ